حروب الفصائل في تعز: دور إماراتي في إدامة الفوضى

02 ابريل 2018
الصورة
تختلف أهداف المعارك بتعز بين جبهة وأخرى(أحمد الباشا/فرانس برس)
لم تسفر العمليات العسكرية لتحرير محافظة تعز اليمنية من سيطرة الحوثيين، المستمرة منذ الشهور الأولى من الحرب التي دخلت عامها الرابع، سوى عن تحرير المدينة مركز المحافظة، وتحولت بعد ذلك العمليات إلى ساحة للصراعات الداخلية بين الفصائل التابعة للحركة السلفية من جهة وبين حركة الإخوان المسلمين التي يمثلها حزب التجمع اليمني للإصلاح في اليمن من جهة ثانية، بعد أن تمدد نفوذ هذه الفصائل بدعم من دول التحالف العربي وحصدت الكثير من الأموال والسلاح والذخيرة التي كانت تتدفق للمدينة باسم معارك التحرير.
وبسبب النزاع الداخلي المتجذر، الذي تتسم به الفصائل المقاتلة في صف الحكومة الشرعية، تبيّن أيضاً أن كسر الحصار المفروض على المدينة من جميع الجهات منذ ثلاث سنوات مستحيل لأن قرار التحكم بالقوات التابعة للشرعية مجزّأ إلى حدٍ مفرط ما بين فصائل متباينة تخوض صراعات وصلت للمواجهات العسكرية في معظم الحالات من أجل خدمة أجندة دول التحالف العربي.




وتؤدي الإمارات دوراً محورياً في توسّع فجوة الصراعات الداخلية السياسية والعسكرية في محافظة تعز، إذ تمكنت أخيراً من إزاحة محافظ تعز الموالي لحزب الإصلاح علي المعمري، وتعيين المحافظ أمين أحمد محمود. بعدها بدأت الحرب الناعمة بين المحافظ الموالي للإمارات وحزب الإصلاح بصدور قرار من الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي بدعم من نائبه علي محسن بتعيين القيادي في الإصلاح عبدالقوي المخلافي، وكيل أول محافظة تعز، وقد اقتحم مسلحون تابعون له بقيادة أسامة القردعي، مكتب المحافظ في فبراير/شباط الماضي، رداً على خطوة توزيع المهام بين وكلاء المحافظة.
وتعمل الإمارات على دعم اللواء 35 بقيادة العميد عدنان الحمادي، والذي تمكن في فبراير/شباط الماضي من السيطرة على معظم مناطق مديرية الصلو جنوبي تعز إلى جانب دعمها للواء العصبة بقيادة العقيد رضوان العديني، وفصيل في قوام اللواء 170 دفاع جوي، وذلك بعد تواري كتائب "أبو العباس" السلفية المدعومة من الإمارات، والتي فرضت وزارة الخارجية الأميركية عقوبات على قائدها عادل عبده فارع. ووفقاً لبيان وزارة الخزانة الأميركية، فإن فارع متهم بتقديم الدعم المالي أو المادي أو التكنولوجي أو غيرها من الخدمات إلى تنظيم "القاعدة"، والعمل جنباً إلى جنب، مع مقاتلين من تنظيم "داعش" في تعز، وبأن فارع يقود جماعة تتألف من نحو ألفي مقاتل، مرتبطة بتنظيم "القاعدة".
ويأتي دعم الامارات لهذه الألوية، بما في ذلك الدعم الذي خصت به كتائب "أبو العباس"، بهدف الحد من سيطرة جماعة الإخوان المسلمين ممثلة بحزب الإصلاح على سته ألوية من قوات الجيش الوطني هي اللواء 17 مشاة، واللواء 22 ميكا واللواء 170 دفاع جوي واللواء الخامس حماية رئاسية واللواء 145 واللواء الثالث مشاة جبلي.
ولا يستبعد مراقبون اندلاع معارك جديدة في حال تحرر المحافظة فعلياً من القوات الانقلابية بسبب تدفق الدعم الإماراتي لبعض الألوية والفصائل مقابل استعداد حزب الإصلاح تحت عباءة الجيش الوطني لكسر شوكتها عسكرياً في معركة لم تبدأ بعد.


ولم تخف تقارير الأمم المتحدة الدعم الإماراتي لفصائل في تعز وخطورته. ونقلت شبكة الجزيرة في 20 أغسطس/آب 2017 عن تقرير لفريق الخبراء التابع للجنة العقوبات الدولية على اليمن تأكيده أن مجموعات مسلحة خارجة عن سيطرة الحكومة الشرعية، تتلقى تمويلا مباشرا ومساعدات من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة بينها أبو العباس الذي تموله الإمارات، أشار التقرير أيضاً إلى أن الصراع في تعز عزز دور "أبو العباس" بدعم مباشر من الإمارات، وخلال صراعه مع الحوثيين سمح بانتشار عناصر تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية داخل تعز، لتعزيز قواته وتقييد النفوذ السياسي والعسكري لحزب الإصلاح.
ولاحقاً صدر في شهر يناير/كانون الثاني الماضي 2018 تقرير رسمي موجه إلى مجلس الأمن أشار إلى أنه "لا تكتفي المليشيات السلفية المختلفة، التي ظهرت نتيجة الحرب التي دامت نحو ثلاث سنوات، بمنافسة القوات الحكومية، وأحياناً الاشتباك معها، بل إنها تتنافس في ما بينها ويشتبك بعضها مع بعض أيضاً. وفي أعقاب فرض الجزاءات على أبو العباس، زادت هذه المنافسة حدةً. فالمليشيات ترى أن محصلة النزاع في تعز صفرية، وإضعاف شوكة أبو العباس معناه أن تتقاتل عدة مليشيات صغيرة من أجل السيطرة على مزيد من المناطق. وفي تعز، كلما سيطرت جماعة على مزيد من المناطق الحضرية، استقطبت المزيد من الدعم الخارجي".
وتتعدد المواجهات بين الجماعات المسلحة التابعة للفصائل المحسوبة على الشرعية في تعز. فخلال أقل من أسبوع سقط أكثر من عشرة أشخاص ضحايا في صفوف المدنيين حصيلة أعمال هذه المواجهات العسكرية الدائرة بصورة شبه يومية في المناطق التي من المفترض أنها محررة، وتحت سيطرة مؤسسة عسكرية وأمنية يصل قوام أفرادها حسب كشوفات الترقيم في قيادة محور تعز إلى أكثر من 44 ألف مقاتل.
وفي العشرة أيام الأخيرة، وبحسب تأكيد قيادات أمنية وناشطين محليين، لـ"العربي الجديد"، دارت مواجهات بكافة الأسلحة المتوسطة على أراضي مواطنين، بين فصيل يتبع اللواء 22 يقوده شخص يدعى هشام عبدالواحد سرحان، وفصيل تابع للواء 170 دفاع جوي يقوده شخص يدعى مأمون القيسي في شارع التحرير الأسفل وسط المدينة. ولم يسلم المدنيون من رصاصات هذه المواجهات، إذ راح ضحيتها بائع الشاي الطفل عبدالملك السلال (15 عاما) وزكريا ناصر (26 عاماً)، فيما قتلت امرأة تدعى نزية الشميري (55 عاما) في مواجهات اندلعت أيضاً بين جماعة مسلحة يقودها المطحني يتبع كتائب أبو العباس وبين فصيل من لواء الصعاليك المنخرط في اللواء 22ميكا في منطقة الضربة وسط المدينة.
وقال مسؤول أمني، في حديث مع "العربي الجديد"، إن المطحني سلّم نفسه لقيادة كتائبه التابعة للواء 35 مدرع، فيما وجهت إدارة أمن تعز مذكرة لقيادة محور تعز بتسليم أفراد موقوفين لدى المحور على ذمة القضية يتبعون فصيل الصعاليك. وأشار إلى أن هناك جهات تحاول حرف مسار الإجراءات لكن إدارة الأمن لديها المعلومات الكافية وتحفظ عن الإفصاح عنها كون ذلك لا يخدم التحقيقات على حد تعبيره. كذلك شهدت مناطق البيرين جنوبي تعز مواجهات مشابهة بين كتائب القيادي السلفي العقيد عادل عبده فارع (أبو العباس) وشخص يدعى الطاهش والطرفان منخرطان في صفوف اللواء 35 مدرع، وأدت المواجهات حسب المصادر، إلى وقوع قتلى بين المتحاربين، وأسرى من الطرفين قبل أن تنجح وساطة يقودها القيادي في الجيش الوطني فؤاد الشدادي بالإفراج عنهم.
كما تعرض في وقتٍ قريب قائد الشرطة العسكرية العقيد جمال الشميري، لمحاولة اغتيال في مربع المناطق المحررة وكالعادة المدنيون هم الضحايا، إذ قتل مدنيان وأصيب ستة من قوات الشرطة العسكرية جراء كثافة النيران التي انهالت على سيارة الشميري. وبحسب مصدر عسكري في قوات الشرعية، تحدث مع "العربي الجديد"، فإن قيادات فصائل في الجيش الوطني نفسه هي من تقف خلف محاولة الاغتيال. وقالت قيادة الشرطة العسكرية في توضيح لها، إن "خطورة تقاعس بعض الجهات عن القيام بمسؤولياتها تجاه الأعمال الإجرامية التي تقوم بها خلايا الفوضى والاغتيالات مستهدفة أفراد الجيش والأمن هو عمل غير مقبول، ونؤكد على ضرورة اتخاذ إجراءات عملية جادة من كافة مؤسسات الدولة في وضع حد للدعم اللوجستي والإعلامي وأيضاً المالي لهذه الخلايا الإجرامية".
كما شهدت ساحة المناطق المحررة التابعة للحكومة الشرعية في محافظة تعز على مدار الفترة السابقة الممتدة من 2017 حتى اليوم حوادث الاقتتال بين بعض الفصائل، في إطار السباق على مواقع عسكرية في الجغرافيا المحررة، يريد كل طرف السيطرة عليها استعدادا لمعركة مؤجلة تغذيها دول التحالف العربي.
وكانت أعنف هذه المواجهات في نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي بين فصيل الصعاليك ويتبع حزب الإصلاح وبين كتائب أبو العباس، وأسفرت عن مقتل أحد أفراد الكتائب وإصابة آخر، واستمرت ثلاثة أيام وأُغلقت خلالها شوارع المدينة ومنفذها الوحيد على خط الضباب المرتبط بجنوب المحافظة.
وفي سياق المواجهات الداخلية شهدت المدينة في يونيو/حزيران من العام الماضي معركة أخرى بالأسلحة الثقيلة بين جماعة مسلحة تتبع العقيد رضوان العدين قائد لواء العصبة (وهو لواء مدعوم بشكل مباشر من دولة الإمارات التي تعمل على تشكيل قوات موالية لها)، وبين مسلحين تابعين لقيادة محور تعز راح ضحيتها عدد من الجرحى والأسرى وتم محاصرة مقر قيادة المحور في مكتب التربية والتعليم وسط المدينة.
وبرأي بعض المراقبين فإن المعارك الداخلية بين الفصائل تشكل خطورة على تماسك قوات الشرعية، وتبقي جبهات القتال في كافة المحاور بمحافظة تعز تراوح مكانها، رغم استمرار الحصار المفروض منذ ثلاث سنوات من قبل القوات الانقلابية، فيما معارك الكر والفر التي تخوضها قوات الشرعية ضد القوات الانقلابية في محاور الجبهة الشرقية والغربية للمدينة تحولت إلى مسلسل ممل ومكلف.
ولفت المحلل السياسي، صلاح الأديمي، في حديث مع "العربي الجديد"، إلى أن غياب المشروع العام (مشروع الدولة) يشكل عاملاً أساسياً في ازدهار الصراعات الداخلية بين المشاريع الخاصة المتمثلة بالفصائل المسلحة التي تتفاوت تطلعاتها بين الرغبة في السيطرة على المحافظة ككل أو السيطرة على مساحات جغرافية في نطاق محدد بما يمكنها فيما بعد للوصول إلى السيطرة على المدينة.
ووفقاً للأديمي، فإن غياب دور مؤسسات الدولة يساعد أيضاً في توفير مصادر تمويل لهذه الفصائل من خلال نقاط التفتيش لجباية الأموال والخوات. وأوضح أن "تلك الفصائل تجد نفسها في حالة صدام مباشر فيما بينها والمبررات قد تكون أيديولوجية مرتبطة بمصالح مراكز النفوذ على مستوى البلد أو نتيجة الدعم الإقليمي لهذه الفصائل، ومن بين المبررات أيضاً الصراع على الموارد ومساحات النفوذ".
وتكمن معضلة تلك الفصائل بكونها محسوبة على المؤسسة العسكرية أو الأمنية بما يوفر لها غطاء رسمياً لوجودها وفقاً للأديمي. ومن المفارقات أن هذه الفصائل تتلقي رواتب شهرية مقابل الفوضى في المناطق المحررة والتي تكون نتائجها دائماً ضحايا مدنيين على حد قوله.

دلالات

تعليق: