حرم جامعات الجزائر مهدد

28 يونيو 2017
الصورة
منشأ العنف من داخل الجامعة؟ (فاروق باطيش/ فرانس برس)
+ الخط -

حادثة قتل أستاذ جامعي في الجزائر قبل أيام، اتهم فيها طالبان جامعيان، تثير الكثير من الجدل في البلاد وتؤجج تحركات أكاديمية احتجاجية تطالب بحماية الأساتذة.

تشهد جامعات الجزائر هذه الأيام غلياناً شديداً عقب مقتل الأستاذ الجامعي الدكتور بشير سرحان قروي (44 عاماً) في كلية الحقوق والعلوم القانونية بجامعة "خميس مليانة" بولاية عين الدفلى، غرب العاصمة الجزائرية. الحادثة الأليمة التي وقعت أمام مدخل مبنى في ولاية تيبازة يسكن فيه المتهمان، وهما طالبان جامعيان توأمان، باستخدام سكين ومطرقة، استنفرت كلّ أعضاء الأسرة الجامعية من كوادر وأساتذة وموظفين. التقى تحت شعارات من قبيل "لا لاغتيال العقل" و"كفى بلطجة للجامعة". شعارات رفعها الأساتذة خلال وقفتهم الاحتجاجية أمام مقر وزارة التعليم العالي والبحث العلمي أخيراً مطالبين باسترجاع كرامة الأساتذة المهدورة خلال السنوات الأخيرة، بعد حوادث واعتداءات كان الأساتذة فيها داخل الحرم الجامعي حتى في عدد من الكليات. لكنّ أصواتاً أخرى دعت إلى ضرورة البحث في أسباب تفشي العنف داخل الحرم الجامعي، وإعادة صياغة المنظومة التعليمية في الجامعات.

أساتذة عديدون حاولوا تشريح الأسباب من دون رمي الكرة في مرمى المجتمع وتحميله وزر هذه الجرائم والأفعال، التي لا تمت بصلة إلى العلم والتعليم العالي. يقول المتخصص في علم الاجتماع السياسي الدكتور ناصر جابي إنّ العنف الذي تشهده جامعات الجزائر لم تستورده من المجتمع الجزائري، كما يقرأه البعض وكما يوحي بذلك كثير من الآراء التي تواترت عقب مقتل الدكتور سرحان بآلة حادة وسكين. يذهب جابي إلى عمق المشكلة في الجامعات بالذات داعياً إلى تحليل هذه الحوادث من خلال "البحث في ظروف العمل التي تعرفها الجامعة، وفي نوعية العلاقات التي تربط الطالب بالأستاذ، وفي نوعية التسيير الإداري الفاسد" موضحاً أنّ "من الواجب أيضاً البحث في مستوى الأستاذ غير المؤهل وفي بلطجة قيادات التنظيمات الطلابية".

يخلص جابي الى أنّ "العنف منتج من الداخل وليس مستورداً من خارج الجامعة". هذا الرأي يؤكد عليه أستاذ الإعلام الدكتور عاشور فني. يقول إنّ جامعات البلاد تشهد منذ بداية السنة الجارية تفشياً رهيباً لظاهرة العنف عكسته الاعتداءات المتكررة على الأساتذة، خصوصاً في جامعات "باتنة" و"المسيلة" و"دالي براهيم" حيث جرى الانتقال من مرحلة العنف إلى الاغتيال. يضيف أنّ هناك احتجاجات كبرى عبر مختلف المراكز الجامعية التي شهدت حالات عنف وضرب وشتم بحق أساتذة جامعيين، إلاّ أنّ نداءاتهم واستنكارهم قوبل بـ"الصمت وعدم تحمل المسؤوليات وعدم معاقبة أحد".

أساتذة جزائريون يحتجون (العربي الجديد)


من جهته، يقول المتخصص في علم الاجتماع الدكتور يوسف حنطابلي إنّها جريمة في حق رمزية الجامعة، مهما كانت الخلفيات والأسباب. ويشير إلى أنّ الجريمة قد تؤدي إلى تداعيات خطيرة على الجامعة، إن لم يتحرك المعنيون للبحث عن أسبابها وعن وضع مختلف الإجراءات التي بإمكانها أن تحمي الأستاذ وكذلك الطالب من مثل هذا العنف. ويؤكد أنّ هناك أفعالاً تجري داخل الجامعات سببها انعدام الأمن، والتسيب في التعاطي مع التنظيمات الطلابية.

يرفض الدكتور حنطابلي "كلّ مزايدة في استثمار قضية مقتل الدكتور سرحان لتمرير طروحات تعتبر أنّ العنف هو ظاهرة لصيقة بالجامعة، على اعتبار أنّها جامعة مفتوحة وتقبل الطلاب من دون شروط الحضور فيها (خصوصاً أنّ كلّ جامعات الجزائر حكومية مجانية) فكأنّ الأساتذة الذين يدرّسون في هذه الجامعة بالذات لم يدرسوا فيها ويتخرجوا منها بدورهم". ويفسر: "لولا مجانية هذه الجامعة لما استطاع قطاع كبير من الأساتذة أن يتخرجوا ويحصلوا على شهادات عليا، ويتكلموا عنها أساساً كما يفعلون اليوم" بحسب رأيه.

كذلك، يذهب المتحدث إلى أبعد من هذا ، في قراءته لما يجري في جامعات البلاد بشكل عام، إذ يقول إنّه "حان الوقت لكشف المستور وما يحصل في لجان المناقشات، ولجان الملتقيات، والأيام الدراسية، وشهادات المشاركة، وقبول المقالات والمناصب الإدارية، والمحاباة، والأبوية التي تمارس من قبل بعض الأساتذة". ويعتبر أنّ كلّ هذه المعطيات مجتمعة "ضربت مصداقية الجامعة من قبل أشباه الأساتذة الذين ابتذلوا العلم وانتهكوا الحرم الجامعي".

أما الأستاذ عبد الرزاق بن عمرة من كلية الاقتصاد، فيطالب بإعادة النظر في التعليم الجامعي ككلّ، وليس "تقديم تبريرات للجريمة الأخيرة فقط". ويضيف لـ"العربي الجديد" أنّه إذا لم نعد النظر في تكوين الأساتذة ومتابعتهم في مسارهم العلمي والأكاديمي، سنتوقع تفشي العنف أكثر. لكنّه يلفت، في المقابل، إلى أنّه في كلّ الأحوال يجب إعدام الجناة في حادثة كهذه: "مع ذلك، يجب أن نذهب إلى دراسة أعماق هذه الجرائم التي تبدأ بغلطة، أو بكلمة صغيرة ربما، لكنّها تتحول في وقت لاحق إلى جريمة قتل".

وكان وزير التعليم العالي والبحث العلمي الجزائري الطاهر حجار قد طالب، عقب حادثة القتل الأخيرة، رؤساء الجامعات بـ"استعمال كامل صلاحياتهم من أجل تطبيق القانون وتجسيد المجالس التأديبية كإجراءات عقابية في حق كلّ من تخول له نفسه أن يمارس العنف داخل الجامعة، إلى جانب المتابعات القضائية". ولفت في تصريحات صحافية إلى أنّه سيجري وضع "ظاهرة العنف في أشغال مجلس أخلاقيات المهنة للتعليم العالي المزمع عقده قريباً لدراسة عدة نقاط خاصة بهذا القطاع".

دلالات