حرب وحرّ... ثنائي قاتل في الحديدة

24 يونيو 2018
الصورة
معاناة متعددة العناصر في الحديدة (صالح العبيدي/ فرانس برس)
+ الخط -
لم يتوقع سكان مدينة الحديدة أن يترافق صيفهم الحار هذا العام مع أصوات الرصاص والانفجارات والقذائف. جاء الصيف وأتت معه الحرب لتزيد من معاناة سكان المحافظة الساحلية اليمنية. كان أبناء الحديدة يواجهون حر الصيف والانقطاع التام للتيار الكهربائي بعدد من الممارسات مثل الخروج من المنزل خلال فترة الليل هرباً من درجات الحرارة المرتفعة المخزنة داخله، لكنّ مثل هذه التدابير باتت اليوم تعرضهم لخطر الموت.

يقول الصياد هاشم عبد الرحمن، إنّه اليوم يخشى الخروج من منزله كي لا يصاب برصاصة طائشة. فالحرب محتدمة على أطراف المدينة من جهة الجنوب. يشير إلى أنّ البقاء في المنزل وانقطاع التيار الكهربائي بمثابة عقاب للأسر الفقيرة في الحديدة التي لا تستطيع توفير تكاليف التيار الكهربائي التجاري. يواصل: "نخرج من المنزل هرباً من الحر الشديد فتتعرض بشرتنا للهواء وإن كان حاراً بدوره، لكنّي اليوم أشعر بالمعاناة نفسها التي تشعر بها النساء عندما يجلسن في المنزل طوال فترة الصيف من دون توفر المكيفات. بقائي في المنزل خلال الأسبوع الماضي خوفاً من الرصاص جعلني أشعر بمعاناتهن كونهن ممنوعات من الخروج (بحرب أو من دونها) مثل حالنا اليوم". يؤكد عبد الرحمن لـ"العربي الجديد" أنّ الكثير من سكان الحديدة كانوا يخرجون للنوم على الأرصفة أو أسطح المنازل أو قرب الساحل. يقول: "كنت عندما أخرج إلى الساحل في الصيف الماضي، فأشاهد كثيراً من الناس نائمين على الأرصفة، لكنّ هذا المشهد لم يعد موجوداً لا سيما في المناطق القريبة من الاشتباكات". يكشف عبد الرحمن أنّ بعض سكان الحديدة يعيشون في عشش (أكواخ مبنية من القش) وهذه المباني لا تقيهم من الرصاص الطائش.




بدوره، لا يستطيع مالك الزبيدي النوم بسبب الحرب. كان في السابق ينام على سطح المنزل، لكنّه اليوم مجبر على البقاء داخله. يقول: "إن خرجنا إلى الشارع يشتبه الحوثيون بنا ويعتقدون أنّنا ننوي أن نتمرد في ما يخدم القوات المحيطة بالمدينة، وإن نمنا على سطح المنزل فلربما نتعرض لرصاصة طائشة". يشير إلى أنّ بعض هذا الرصاص سقط على منزل أحد جيرانه لكنّه لم يتسبب بوقوع ضحايا. يضيف: "مشكلة انقطاع التيار الكهربائي ليست جديدة على سكان مدينة الحديدة، فهم يعانون منها منذ سنوات، لكنّنا اعتدنا عليها وأوجدنا لها بعض الحلول؛ منها تحريك الهواء ليلاً باستخدام الكرتون المقوى أو البلاستيك أو قطع صغيرة مصنوعة من سعف النخيل. لكنّنا اليوم ممنوعون من الخروج". يشير الزبيدي إلى أنّ الثلج من أكثر السلع المطلوبة في الحديدة في فصل الصيف، لكنّ الحرب أتت لترفع أسعاره بشكل كبير جداً. يواصل: "لم يعد كثير من الأسر قادراً على شراء الثلج الذي يساعدنا في تحمل الحر، فلا مصادر للدخل في مقابل ارتفاع الأسعار الحاد".

بعض الأسر نزحت إلى ريف الحديدة حيث تتواجد مزارع المانجو والموز والكاذي (البندان الشبيه بالنخيل)، فالأجواء في هذه المزارع أقل حرارة، إذ كلما ابتعد الناس عن الساحل انخفضت درجة الحراراة: "هذا ما جعل كثيراً من الأسر تنتقل إلى هناك والاستقرار في العراء".

من جانبه، يصف الناشط عبده مخاوي، الوضع في الحديدة بـ"الكارثي" جراء المعارك المتصاعدة والحرّ الشديد: "لا بدائل متوافرة لتخفف من الحرارة الشديدة. فالطاقة الشمسية المستخدمة في بعض المنازل لا تستطيع تشغيل أجهزة التكييف، وتشغّل فقط مراوح صغيرة لا تفي بالغرض". يشير إلى أنّ معاناة السكان في ازدياد جراء الحرب والقصف المستمر الذي حرمهم من الذهاب الي الشواطئ للتنزه والتخفيف من حرارة الجو. ويؤكد مخاوي أنّ "سكان المدينة باتوا بين مطرقة الحرب وسندان الحرارة المرتفعة" في ظل غياب أيّ مؤشر لانتهاء الأزمة التي تواجهها هذه المدينة: "وما يحدث على أبواب المدينة يوحي بأنّ المحافظة على موعد مع ما هو أسوأ في ظل استمرار الحرب".

في السياق، يؤكد مسؤول في المؤسسة العامة للكهرباء في محافظة الحديدة، أنّ وضع سكان الحديدة يختلف عن غيرهم من سكان المحافظات الأخرى، فالكهرباء في المحافظات الحارة صيفاً متوافرة ولو بشكل متقطع، لكنّها في الحديدة منقطعة تماماً: "هناك تجاهل كبير من قبل السلطات المسيطرة على المحافظة ولا رغبة في إيجاد حلول لمشكلة الكهرباء". المصدر الذي رفض الإشارة إلى اسمه يقول لـ"العربي الجديد" إنّ جماعة الحوثي ومنذ سيطرتها على المحافظة لا تهتم بمعاناة المواطنين الذين "يعيشون وضعاً مأساوياً بسبب انقطاع التيار الكهربائي، ويتجرعون المعاناة والعقاب الجماعي" فيما المليشيات تسيطر على موارد المحافظة بشكل كامل. يشير إلى أنّ القائمين على فرع وزارة الكهرباء في الحديدة قدموا كثيراً من الحلول التي يمكن من خلالها حلّ جزء من مشكلة الكهرباء في الحديدة والتقليل من معاناة المواطنين، إلا أنّ "سلطة الأمر الواقع لم تتفاعل مع مبادراتهم". يضيف: "أصحاب المولدات الكهربائية التجارية يستغلون الناس ويبيعونهم الكهرباء بأسعار مرتفعة جداً خصوصاً في ظل الوضع الإنساني والمعيشي الصعب جراء الحرب وانعدام مصادر الدخل.




تتزايد موجة النزوح الجماعي من مدينة الحديدة بشكل كبير باتجاه المناطق الآمنة في ريف المحافظة وإلى العاصمة صنعاء والمحويت وريمة ومديرية وصاب بمحافظة ذمار مع دخول الحرب إلى الأطراف الجنوبية للمدينة، وتتزايد المخاوف من امتداد المعارك إلى أحياء جديدة فيها.