حرب نفسية إسرائيلية ضد إيران: رسائل ردع وأخطاء مقصودة

21 ابريل 2018
الصورة
هدّد نتنياهو وليبرمان الإيرانيين مراراً (عبير سلطان/فرانس برس)


تواصل حكومة الاحتلال الإسرائيلي تبادل الاتهامات والتهديدات ورسائل الردع مع إيران، على خلفية الموقف الإسرائيلي لمحاربة الوجود العسكري الإيراني في سورية، وتطور الموقف الإسرائيلي من اشتراط بقاء الوجود الإيراني العسكري على مسافة لا تقل عن 40 كيلومتراً من الحدود الجنوبية لسورية، وفق الموقف الذي عبّرت عنه تل أبيب مع إعلان اتفاق مناطق خفض التصعيد في سورية بين الولايات المتحدة والأردن وروسيا، أواخر العام الماضي، بموازاة إعلان أستانة. لكن الموقف الإسرائيلي ظل يرفض أي وجود عسكري إيراني على الأرض السورية، تبعاً للتقديرات الاستراتيجية في أذرع الاحتلال مطلع العام الحالي التي توقعت أن يكون عام 2018 عام المواجهة مع إيران على الأرض السورية.

في هذا السياق، جاءت التهديدات التي وجّهها، أمس الجمعة، رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، خلال جلسة احتفالية لحكومة إسرائيل بمرور 70 عاماً على قيام دولة الاحتلال على أنقاض فلسطين. وأعلن نتنياهو خلال الجلسة المذكورة: "نسمع التهديدات الآتية من إيران. مقاتلو الجيش وأذرع الأمن مستعدون لكل تطور. سنحارب من يحاول المس بنا ولن يردعنا ثمن. سنجبي الثمن ممن يحاولون استهدافنا". ومع أن تصريح نتنياهو جاء بمثابة رد على تهديدات إيرانية سابقة بشأن رد إيراني على قصف مطار "التيفور" في سورية، إلا أن هذه التصريحات تدخل في إطار الحرب اللفظية والدعائية المتبادلة أخيراً بين دولة الاحتلال وإيران.

في هذا الإطار، اعتبر محلل الشؤون العسكرية في صحيفة يديعوت أحرونوت، أليكس فيشمان، أن "وقوع ثلاثة أخطاء غير مقصودة في السياق الإيراني، هي أمر غير وارد بالحسبان، إلا إذا كانت هذه الأخطاء مقصودة عن سابق إصرار لخدمة هدف محدد، هو محاولة ردع إيران وإخراج الإيرانيين من توازنهم النفسي وربما إخراجهم عن طورهم". ولا يترك فيشمان مجالاً للتأويل، فيفصح عن هذه الأخطاء التي يعتبرها جزءاً من رسائل مقصودة وليست مجرد أخطاء، وهي تصريحات المسؤول العسكري الإسرائيلي أخيراً لصحيفة "نيويورك تايمز" بشأن مسؤولية إسرائيل عن قصف قاعدة "التيفور" واستهداف الجنود الإيرانيين في القاعدة المذكورة وقتل 14 عنصراً منهم، موضحاً أن "هناك روتيناً واضحاً ومتبعاً في علاقات كبار ضباط جيش الاحتلال مع الصحف الأجنبية، وبضمنها نيويورك تايمز، فيتم تفادي نشر ما قد يكون زلة لسان غير مقصودة".

أما الخطأ الثاني المقصود (بحسب فيشمان)، فهو إطلاق الدفاعات الأرضية الصاروخية السورية لإسقاط صواريخ وهمية (في إشارة لهجمة سايبر إسرائيلية كانت وراء إطلاق صواريخ سورية لإسقاط ما بدا كأنه هجوم صاروخي ضد أهداف سورية، تبين لاحقاً أنه لم يقع). والخطأ الثالث الذي حرصت الصحافة الإسرائيلية على نشر وقوعه، هو ذلك المتعلق بإصدار رسائل استدعاء لآلاف جنود الاحتياط في جيش الاحتلال، صباح الخميس، ليعاد تعميم رسالة تلغي أمر الاستنفار لجنود الاحتياط.



بحسب فيشمان، فإن "هذه الأخطاء التي يبدو أنها وقعت عفواً هي في واقع الحال مقصودة، لأنه لا يمكن أن تتكرر ثلاثة أخطاء كهذه في أسبوع واحد"، مضيفاً أنه "لا يمكن التحرّر من الانطباع بأن هناك من قصد إخراج الإيرانيين عن توازنهم، وأن هذه الأخطاء هي، برأيه، جزء من تحرك استراتيجي دعائي يشي بأن الرد الإسرائيلي لن يكون مقيداً بحجم الضربة الإيرانية ولا وفق قاعدة (ضربة مقابل ضربة)، بل الهدف الرئيسي هو تمرير رسالة إسرائيلية واضحة بأن مثل هذا النمط لن يكون سائداً بعد الآن. بل وزيادة عن ذلك، فإن الهدف هو إيصال رسالة بأن الردّ الإسرائيلي العتيد على الرد الذي تعهّدت إيران بتنفيذه سيكون العمل بما في ذلك للضغط على روسيا وإيران وحتى النظام السوري، للتحرّك لوقف التمدد العسكري للواء القدس بقيادة قاسم سليماني، والإدراك بأنه يستحسن بكافة هذه الأطراف (إيران روسيا والنظام) مواصلة تجاهل المصالح الأمنية الإسرائيلية".

وإذ يحاول فيشمان التستّر وراء عبارات وتسميات "مسؤول أمني رفيع المستوى" يشارك في عملية شد أعصاب الإيرانيين، نشر موقع "والا" أخيراً، مقابلة مع وزير الأمن الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان، أكد فيها أن "إسرائيل لا تتدخل في الأمور الداخلية في سورية وليست مسؤولة عن عملية تصحيح العالم"، إلا أن ليبرمان أكد أيضاً في سياق حسابات إسرائيل من رد روسي على التطورات الجارية، أن "ما يهمنا هو أمن إسرائيل، والروس يفهمون ذلك جيداً". وأضاف رداً على سؤال حول نطاق حرية الحركة الذي يمكن لبوتين أن يمنحه لإسرائيل في سورية، بالقول "لن نقبل بأية قيود عندما يتعلق الأمر بالمصلحة الأمنية الإسرائيلية. لقد نجحنا بمنع احتكاك مباشر مع الروس، ونحن نتحدث معهم طيلة الوقت. يوجد بيننا خط اتصال دائم أثبت جدواه".

ويرى فيشمان أن "كل هذه التطورات بما فيها أيضاً قيام الجيش الإسرائيلي بالكشف عن توفر خرائط دقيقة لديه حول مواقع الوجود العسكري الجوي الإيراني، هي محاولة أيضاً لتهيئة الرأي العام الإسرائيلي لحالة حرب أو مواجهة عسكرية".

وتتفق هذه التحليلات مع تصريحات نتنياهو المشار إليها أعلاه، ومع تصريحات ليبرمان في المقابلة مع "والا"، والتي أكد خلالها أن "كل الاحتمالات موضوعة على الطاولة"، موضحاً أن "إسرائيل لن تسمح بوجود قوة عسكرية مؤثرة لإيران على أرض سورية، سواء أكانت قوة برية أم ميناءً عسكرياً أو بحرياً. لن نسمح بوضع تكون فيه سورية قاعدة أمامية ضد إسرائيل، كما لن تسمح إسرائيل بأن تتحول غزة أيضاً إلى قاعدة إيرانية".



وتتصل تصريحات ليبرمان بالشأن الروسي في هذا السياق بالموقف الإسرائيلي الأخير من الوجود الإيراني في سورية، ومن ارتباط ذلك بالدعم الروسي لهذا الوجود، تحديداً في ما تراه إسرائيل المرحلة الأخيرة من القضية السورية وبدء محاولات ترسيم مستقبل سورية للسنوات المقبلة. ويبدو أن دولة الاحتلال تأخذ في الاعتبار الظروف الحالية لإيران، التي قد تمنع إيران رغم تهديداتها من المجازفة بإنجازاتها العسكرية على الأرض في سورية. والأهم من ذلك بتوجه البيت الأبيض منتصف الشهر المقبل إلى إعلان قراره النهائي من الاتفاق النووي مع إيران، وبالتالي فإن مصلحة النظام الإيراني على الأقل في الأسابيع المقبلة لا تدفعه نحو تصعيد حقيقي أو فعل عسكري قد ينقلب على إيران، سواء في سورية أو في سياق الاتفاق النووي. هذه الاعتبارات الإيرانية الداخلية معطوفة على الوضع الاقتصادي الداخلي وتراجع قيمة صرف العملة الإيرانية، تزيد من حذر النظام في إيران وقد تكون سبباً لتأجيل الرد الموعود على قصف مطار "التيفور".

في هذا السياق، يعتبر محلل الشؤون العسكرية في "هآرتس"، تسيفي هرئيل، أن "مستقبل المواجهة العسكرية بين إيران وإسرائيل، مرهون كلياً بمستقبل الاتفاق النووي وقرار ترامب بهذا الخصوص". ويرى هرئيل أن "ما ساهم في ضبط رد الفعل الإيراني على القصف الإسرائيلي لقاعدة التيفور، هو بالذات الخلاف بين إدارة ترامب والدول الأوروبية بشأن مستقبل الاتفاق النووي".

وهو يرى أن "إيران تنطلق من منطق يقول إنه لا يمكنها أن تسمح لنفسها في هذه الظروف بخدمة موقف ترامب ولا موقف إسرائيل من خلال حرب جديدة تخدم الطرفين المذكورين. في المقابل، فإن وضع إيران الحالي بالذات يدفعها نحو تسريع العملية السياسية التي تقودها روسيا للحل في سورية، خصوصاً في حال اتجهت إسرائيل نحو مزيد من الهجمات التي تستهدف مواقع وأهدافاً إيرانية. وهي خطوة ستزيد من عمق التعاون الروسي الإيراني".

في المقابل، يعتبر هرئيل أن "من شأن إيران أن تنسخ في سورية، لتجنيب قواعدها خطر الاستهداف إسرائيلياً، نسق العمل الذي اتبعته في العراق عندما سعت إلى دمج المليشيات الموالية لها هناك (مليشيات الحشد الشعبي) في الجيش العراقي الرسمي، وأن تتولى الدولة العراقية بالتالي تمويل هذه المليشيات. وبالتالي من المحتمل أن تقوم إيران بالخطوة نفسها في سورية تحديداً، وأن خلق قواعد ومراكز إيرانية سورية مشتركة سيضع عراقيل أمام نشاط إسرائيلي ضدها بدعوى محاربة الوجود الإيراني في سورية".