حرب مستمرة على حقوقيات ونسويات في السعودية

22 مايو 2018
الصورة
المناداة بحقوق المرأة غير مسموح(تويتر)
يبدو أن حملة الاعتقالات المفاجئة لوجوه نسائية معروفة وناشطات في السعودية لم تقتصر على الأسماء التي أعلنتها السلطات في بيان رسمي، وإنما اتسعت وطاولت عشرات السعوديات كان لهن علاقة بحملتي "قيادة المرأة" للسيارة، و"إسقاط الولاية" عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بهدف القضاء على أية محاولة لتأسيس تكتل نسائي أو جمعية تعنى بقضايا المرأة وتدافع عنها.

وجاءت الاعتقالات يوم 15 مايو/أيار الجاري (7 معتقلين بينهم ثلاث نساء) معاكسة للتوجه الاجتماعي والسياسي الجديد الذي تعلنه السلطات السعودية القاضي بعزل التيار الديني عن المشهد في البلاد. وفاجأت السلطات السعودية الجميع وبلا مقدمات بحملة الاعتقالات الواسعة ضد ناشطين حقوقيين وناشطات نسويات، واتهام بعضهم بالتخابر مع جهات خارجية وزعزعة الثوابت الوطنية وفق بيان رسمي من وكالة الأنباء السعودية.

وفي اليوم الأول من شهر رمضان اعتقلت السلطات الناشطة النسوية والأكاديمية في جامعة الملك سعود، عزيزة اليوسف، والناشطة النسوية لجين الهذلول، والكاتبة والصحافية إيمان النفجان التي ساهمت بالتعريف بقضية المرأة السعودية في الصحف الغربية، إضافة إلى المستشار السابق في رئاسة مجلس الوزراء، ومحامي جمعية "حسم" المعارضة إبراهيم المديميغ، والناشط العروبي محمد الربيعة، وعبد العزيز المشعل، وشخص مجهول قالت السلطات إن التحقيقات تتطلب عدم الإفصاح عن اسمه.

وتابعت السلطات موجة اعتقالاتها في الأيام التالية، فاعتقلت الأكاديمية وعميدة كلية محمد المانع للعلوم الطبية الدكتورة عائشة المانع (70 عاماً) أثناء قدومها من البحرين. ويشار إلى أن السبعينية عائشة المانع إحدى أبرز الأيقونات النسوية في التاريخ السعودي، إذ سبق لها أن شاركت في أول حملة لقيادة المرأة عام 1990 وأوقفتها السلطات آنذاك، كما ألفت العديد من الرسائل والكتب التي وثقت معاناة المرأة السعودية مع قرار منع القيادة.



كما اعتقلت الكاتبة الصحافية حصة محمد آل شيخ، والناشطة في حقوق المرأة والعنف ضد النساء ولاء سعيد آل شبر، دون أن توجه السلطات لهن أي تهم.




وسبق للسلطات السعودية أن اعتقلت لجين الهذلول مرتين الأولى في عام 2014 عندما قادت سيارتها من الإمارات حتى السعودية واحتجزتها 70 يوماً آنذاك، والثانية عام 2017.



وتأتي هذه الحملة التي فاجأت النسويات أنفسهن، في ظل الدعاية التي يسعى النظام السعودي لترسيخها لدى الإعلام الغربي، بأنه نظام يهدف إلى حماية المرأة من تسلط تيار "الصحوة" الذي سيطر على السعودية فترات طويلة، وإن حملات الاعتقال السابقة ضد الإسلاميين جاءت ضمن سياسة شاملة تفسح الطريق أمام تغيير ما في أوضاع المرأة السعودية، ومنها القرار الذي يسمع للمرأة بقيادة السيارة، والذي يسري في أواخر يونيو/ حزيران المقبل.



ورأت منظمات حقوقية وناشطون مدافعون عن حقوق الإنسان في تصريحات صحافية أن عدد الناشطات السعوديات اللاتي اعتقلن أخيراً غير معروف بدقة، لكنه قد يكون كبيرًا وإن الأسماء التي أفصحت عنها السلطات هي مجرد قمة لجبل الجليد. وأشاروا إلى اختفاء عشرات الناشطات النسويات بعد اعتقالهن من داخل بيوتهن أو مقار عملهن، وكنّ من اللواتي دشّن حملات عبر مواقع التواصل الاجتماعي تطالب بقيادة المرأة للسيارة، وإنهاء قانون الولاية على المرأة.

ولفتوا إلى أن الاعتقالات شملت تلك الناشطات رغم قيام كثيرات منهن بحذف حساباتهن من مواقع التواصل، وتغيير أرقامهن الهاتفية خوفاً من الاعتقال.

ونجح "العربي الجديد" في التواصل مع ناشطة كانت تملك حساباً نسويًا شهيرًا على موقع "تويتر"، وقالت باقتضاب: "أغلب النسويات أغلقن حساباتهن بعد حملة الاعتقالات، ولا نعلم عدد المعتقلات حتى الآن، كما أن وسيلة الاتصال الوحيدة بيننا توقفت، والسبب أن كل ناشطة تخاف من اختراق أجهزة الأمن لهاتف الأخرى وتجسسها عليه".



ونشرت بعض الصحف المحسوبة على الحكومة صور بعض المعتقلات ملحقة بهن تهمة الخيانة على صفحاتها الأولى، في حين روجت الحسابات الإخبارية التابعة للحكومة لوصف الناشطات بأنهن عميلات للسفارات الأجنبية ويتلقين الأوامر منها.

وقالت صحيفة "واشنطن بوست" في تعليقها على حملة الاعتقالات: "إن حالة من الذهول أصابت المجتمع السعودي عقب حملة التخوين التي استهدفت عددًا من الناشطين والناشطات".


وأضافت الصحيفة: "إن الاعتقالات جاءت محيرة من ناحية توقيتها، لأنها تسبق سريان قرار قيادة المرأة بأسابيع، إلا أن مدعاة الحيرة الأكبر هي خطورة الاتهامات التي وجهت إلى المعتقلين، والهجمات الشخصية التي استهدفتهم ونشر صورهم في وسائل الإعلام الحكومية".

لكن التفسير الذي يبدو أكثر واقعية، هو أن السلطات أرادت من هذه الحملة الشرسة تفكيك أي بوادر تنظيمات نسوية حقوقية ناشطة في السعودية، خصوصاً أن بعض المعتقلات حاولن تأسيس جمعية تعنى برعاية المرأة المعنفة أو التي تعرضت لتحرش من قبل أقربائها. ويضاف إلى ذلك تغيير الصورة التي ساهمت الموجة النسوية المتصاعدة في تثبيتها داخل المجتمع السعودي بأنها انتزعت حق قيادة المرأة الذي أقره ولي العهد السعودي، وهو أمر يرفضه النظام السعودي ويركز في خطابه الرسمي على أن ولي العهد هو من تكرم على المرأة بإعطائها حق القيادة.

حملة إسقاط الولاية في السعودية(تويتر) 


أما موقف السلطات من مطالبة السعوديات بإسقاط ولاية الرجل، ربما يكون ولي العهد السعودي محمد بن سلمان أوضحها حين تهرب من الإجابة على سؤال بشأن قانون الولاية أثناء مقابلته مع صحيفة "أتلانتيك" الأميركية، واكتفى بالإعراب عن التمني بالوصول إلى حلّ لا يضر العائلات أو الثقافة.

ووفقاً لمنظمة "هيومن رايتس ووتش" فإن مفهوم الولاية ينص على "خضوع المرأة السعودية لسيطرة الرجل من الولادة وحتى الموت. فكل امرأة سعودية لها وليّ أمر ذكر، عادة ما يكون والدها أو زوجها، ولكن في بعض الحالات يكون شقيقها أو حتى ابنها هو الذي له سُلطة اتخاذ العديد من القرارات الهامة مكانها.