حرب كورونا: هل تقود الصين العالم؟

02 ابريل 2020
الصورة

زائر في سور الصين العظيم بعد إعادة فتحه (24/3/2020/Getty)

وقعت الصين والولايات المتحدة الأميركية، مطلع العام الجاري (2020)، على "المرحلة الأولى" من اتفاق تجاري مرحلي، وكان مفترضا أن يكون بمثابة إعلان هدنة في خضم حرب تجارية مستعرة منذ عامين بين البلدين، تسببت في تباطؤ الاقتصاد العالمي. في هذه المرحلة من الاتفاق، وافقت واشنطن على عدم زيادة الضرائب الجمركية العقابية المفروضة على الصين، فيما وافقت بكين على استيراد مزيد من المنتجات الأميركية بقيمة مائتي مليار دولار على مدى عامين مقبلين، كما وافقت على بنودٍ تطالب بها واشنطن، تتعلق بحماية الملكية الفكرية. وتم تأجيل نقاط عالقة إلى مرحلة ثانية، ولكن جائحة كورونا نسفت تلك الهدنة، وفجّرت بين الطرفين عشر سنوات من انعدام الثقة المتراكم والإحباط المكبوت، لتحتدّ المنافسة بينهما، وتحشر الوباء في عمق السجال السياسي والعسكري والاقتصادي الدائر بينهما. 
تكتمت في ديسمبر/ كانون الأول، الحكومة الصينية على تفشّي الوباء، فضللت منظمة الصحة العالمية، وفشلت في تحذير المجتمع الدولي. وعلى الرغم من اعتذارها رسميًا لعائلة الدكتور لي وينليانغ، بعد توبيخه، واتهامه بترويج الإشاعات، استمرت في إجبار القطاع الصحي على الصمت، كما طردت صحافيين أجانب، وقمعت الصحف ووسائل الإعلام. وفي ظل إخفاقها في السيطرة على الأزمة، أطلقت بكين حملة دعائية عالمية، اتهمت خلالها الجيش الأميركي بجلب فيروس كورونا إلى مدينة ووهان. وقوبلت نظرية المؤامرة؛ هذه، بسخرية أميركية، اتهمت بكين بأنها تحاول من لوم واشنطن التمهيد للادّعاء بأن أميركا هي سبب المعضلات الاقتصادية التي سينزلق إليها الاقتصاد الصيني. واتهم ترامب، ومسؤولون أميركيون، الصين بعدم الشفافية بشأن الفيروس. وعلى الرغم من غضب بكين، والانتقادات المحلية للعنصرية تجاه الآسيويين، أصرّ ترامب وإدارته على استخدام مصطلح "إنفلونزا ووهان" أو "الفيروس الصيني". منذ البداية، اعتقدت الولايات المتحدة أنها مستفيدة من تفشّي الوباء في الصين، فصرّح وزير التجارة الأميركي، ويلبر روس، لشبكة "فوكس نيوز" (يناير/ كانون الثاني) بأن فيروس كورونا، على الرغم من وقعه السيئ على الصين، فهو قد ينفع الولايات المتحدة اقتصاديا، من خلال إمكانية انتقال الشركات من آسيا إلى شمال القارة الأميركية.
لم تسر الأمور كما اشتهت رياح التمنيات الأميركية، وبدا أن الصين تسيطر على الوباء، 
وتحرّكت لرفع الحجر الصحي المفروض على ووهان، وتقدّمت بحزم لإقناع الرأي العام العالمي بأنها هزمت الفيروس، وأنها في وضع يمكّنها من المساعدة في إنقاذ العالم، وتعمّدت المقارنة بين انتصارها المعلن واحتدام تفشي الوباء في الولايات المتحدة بسبب سياسة الرئيس ترامب غير الفعّالة. وحاولت، عبر إرسال مساعدات طارئة لدول مثل إيطاليا، وإسبانيا، وصربيا، إضافتها إلى تلك الدول التي تعتمد بشكل متزايد على التجارة الصينية من خلال مبادرة "الحزام والطريق" (طريق الحرير الجديدة)، التي أعلنها الرئيس الصيني شي جين بينغ نهاية عام 2013. اليوم، تفرض الصين مساعدتها الطارئة على الدول المنكوبة، حتى لو لم تَخلُ إمداداتها الطبّية من عيوب، كما كانت الحال مع الكواشف التي أرسلتها إلى جمهورية تشيكيا.
تصدرت الولايات المتحدة، مساء الخميس الماضي، دول العالم من حيث عدد الإصابات بفيروس كورونا، بعد وصول حصيلة المصابين إلى 82 ألفا و391 حالة، لتتجاوز بذلك الصين التي سجلت حتى الفترة نفسها 81 ألفا و299 حالة، ما سلط الضوء على تلكؤ إدارة ترامب في التحسّب للوباء، وعلى السياسة الصحية المتخبطة في التعامل مع المرض. فعليا، تجاهلت إدارة ترامب تحذيرات مركز الحد من الأمراض، ونصائح الاستخبارات الأميركية، لتدفع، اليوم، ثمن هذه الأخطاء انتشارا للوباء في خمسين ولاية، مضاعفة أرقام العاطلين عن العمل، ما دفع الكونغرس الأميركي إلى التدخل لتجنب انهيار اقتصادي، وإقرار حزمة مساعدات بقيمة تريليوني دولار، هي الكبرى في التاريخ الأميركي.
خسر ترامب المعركة الإعلامية أمام شي جين بينغ، وتبادلت كل من بكين وواشنطن المواقع في حرب كورونا، وبدا أن أميركا تفقد الثقة، بينما تتقدّم الصين بحزم في ظل تبعات تهدد الاقتصاد الأميركي الرأسمالي المنفتح، أكثر مما تهدّد "الرأسمالية الصينية" التي يتحكّم الحزب الشيوعي بأعمدتها. عرضت الصين المساعدة، وتحدّث ترامب وشي جين بينغ عبر الهاتف يوم الجمعة (27 مارس/ آذار)، واتفقا على تخفيف التوترات. قد يوقف ذلك الحرب الكلامية بين الطرفين، لكنه قد لا يضع حدا لحربهما السياسية الاقتصادية المستمرة، سيما أن ترامب قد أقرّ، قبل المحادثة بساعات، قانوناً يعزّز زيادة الدعم الأميركي لتايوان دولياً، ما دفع الصين إلى التنديد، مهدّدة بأنها سترد إذا تم تطبيق القانون.
بُعيد الحرب الباردة، برزت الولايات المتحدة قوة عظمى وحيدة في العالم، وبدت واثقةً من نظامها الليبرالي، ومن ديمقراطيتها في الداخل، وقوتها الناعمة في الخارج. على النقيض، شعرت الصين 
بالقلق العميق وبعدم الأمان. لكن واشنطن بدأت تفقد ثقتها واتجاهها، وأصبحت أكثر قلقا بشأن تحدّي الصين نفوذها العسكري والاقتصادي، ونظامها الليبرالي. استثمرت الصين انسحاب أميركا من اتفاق باريس المناخي في عهد ترامب، وتراجعها في أفريقيا في عهد باراك أوباما، وخوضها حروبا من دون انتصارات في عهد جورج بوش، لتعزيز موقعها اقتصاديا، ودفاعيا، وديبلوماسيا، في تلك الجغرافيا التي تخلت عنها أقدام العجز الأميركي. بدت بكين واثقة، بشكل متزايد، في نظامها وثقافتها السياسية؛ الثقة التي دعا الرئيس شي جين بينغ الشعب الصيني للتمسّك بها مرارا. لكن هل معنى ذلك أن في وسع الصين، مع كل شعورها اليوم بالفخر الوطني، إعادة كتابة التاريخ، وتغيير الخريطة الجيوسياسية العالمية؟
بفضل معارضين صينيين، تزايدت الدلائل على أن الوباء ما زال بعيدا عن السيطرة، فبينما أبلغت الصين عن 3300 حالة وفاة متصلة بالفيروس، إلا أن الصور التي تناقلتها وسائل التواصل الاجتماعي أظهرت أعدادًا كبيرة من الجرار في بيوت جنائز ووهان تفوق أعداد الوفيات المعلن عنها، وحسب وكالة بلومبيرغ، تلقى أحد بيوت الجنائز شحنتين من خمسة آلاف جرة على مدى يومين. وتبيّن أن بكين لا تحتسب المصابين بالمرض الذين لم يعانوا من أعراضه بعد، ضمن الحالات الجديدة، ما أعطى انطباعًا زائفًا بأنه لم يعد هناك انتشار محلي للمرض. وأظهر فيديو مسرّب أن مستشفيات ووهان المتنقلة لم تغلق، كما أعلنت الحكومة الصينية، بل تم إعادة موضعتها خارج المدن.
تضارب المصالح لا يسمح بفترة هدوء طويلة الأمد، وقد يتكشف عالم ما بعد كورونا عن منافسةٍ أكثر شراسة بين البلدين، وجهود صينية مضاعفة للدخول في عمق النفوذ والتحالفات الأميركية؛ مع الأوروبيين، وفي الشرق الأوسط، والتي ستحتاج واشنطن إلى تمتينها وتحصينها. لن تستسلم أميركا بسهولة، وستسعى إلى التخلص من انعدام الثقة النابع من تقييم متضخم ومشوّه لتأثير الصين وقوتها، في ظل فشل إدارة ترامب التي يملك الأميركيون فرصة استبدالها. هذا الخيار غير متاح للصينيين حيال شي، المنتصر حتى الآن في حربه الإعلامية، والذي لا يضع وحزبه في حسبانهما، سيما في زهوة انتصار زائف، أي خطة لإصلاح النظام السياسي الصيني؛ العامل الأساس الذي يعيق تربّع الصين على عرش قيادة العالم، لتبقى في مقدمة الدول القامعة للحريات السياسية، والراعية لغيرها من نظم استبدادية.