حرب على طرقات إيران

09 أكتوبر 2019
الصورة
عدد القتلى والمصابين كبير جداً (فرانس برس)
+ الخط -

حوادث السير تشكل حرباً حقيقية في شوارع إيران، سواء داخل المدن أو خارجها، في مشهد بات اعتيادياً للمواطنين، حتى أنّ الإحصاءات تؤكد أنّها تشكل السبب الثاني للوفيات في البلاد

في الحادي والعشرين من سبتمبر/ أيلول الماضي، بمحافظة غلستان شمال إيران، سبّب نوم سائق شاحنة خلف مقوده، مقتل 13 شخصاً وإصابة 18 من ركاب باص، وفقاً لوكالة "تسنيم" الإيرانية. في حادث آخر، غرب البلاد على طريق روانسر باوه بمحافظة كرمانشاه، نهاية سبتمبر/ أيلول الماضي، خسر خمسة أشخاص أرواحهم بعد اصطدام سيارتين، ما أثار حزناً كبيراً في المنطقة، إذ إنّ أحد الضحايا معلّم مدرسة وناشط مدني بارز.

المسألة أكبر من مجرد حادثين أخيرين، فحوادث السير في إيران تمثل ثاني العوامل المسبّبة للموت بعد الأمراض القلبية، لكنّها الأكثر إثارة للرأي العام، لتداعياتها الاجتماعية والاقتصادية الكثيرة، ولمشاهدها المروعة التي تخلفها يومياً في أذهان الإيرانيين. وهكذا يعتبرها مراقبون إيرانيون فصولاً من حرب متواصلة، يفوق عدد ضحاياها البالغ نحو 250 ألف شخص خلال السنوات العشر الماضية، ضحايا أحداث الثورة الإسلامية عام 1979 وحوادث الاغتيالات والتفجيرات في سنواتها الأولى والحرب الإيرانية العراقية في ثمانينيات القرن الماضي، وذلك بحسب الرواية الإيرانية. وبحسب البيانات الإيرانية، تشهد الشوارع سنوياً 800 ألف حادث مروري، تخلّف قرابة 18 ألف حالة وفاة، أي بمعدل يومي يصل إلى نحو 50 قتيلاً. وبحسب ما أعلنت منظمة الإسعاف في إيران، تخلّف هذه الحوادث أيضاً نحو 370 ألف إصابة سنوياً، أي بمعدل يومي يصل إلى ألف إصابة، منها 60 ألف إعاقة دائمة سنوياً، ويفقد الشخص ذو الإعاقة القدرة على ممارسة الحياة العادية، في ظلّ عدم تجهيز البيئة الهندسية.

تحتل إيران المرتبة السابعة على قائمة الدول الأكثر حصداً للوفيات المرورية نسبة إلى عدد السكان، بحسب تقرير سابق لمنظمة الصحة العالمية. وتضم قائمة الدول العشر التي تسبب فيها حوادث السير أكبر عدد من الوفيات ثماني دول أفريقية إلى جانب إيران وتايلاند الآسيويتين. وتتكبد إيران جراء حوادث السير التي تشهدها البلاد نحو 3 مليارات دولار أميركي من الخسائر سنوياً.



أما في البحث عن أسباب حوادث السير في إيران، فقد رصد التقرير ثلاثة عوامل رئيسية: الأول سوء القيادة، وارتكاب السائق مخالفات مرورية، إذ تعزو إليه السلطات الإيرانية 84 في المائة من حوادث المرور. الثاني سوء أوضاع الطرقات، وتشير شرطة المرور في إيران إلى 5400 نقطة مرورية خطيرة، منها 1500 نقطة تعتبر الأكثر خطورة. وفي يونيو/ حزيران الماضي، قال رئيس شرطة المرور كمال هاديانفر، إنّ 56 في المائة من حوادث السير في إيران تقع في هذه النقاط الخطيرة، معظمها في المناطق الوعرة والجبلية. أما الثالث، فالجودة المتدنية للسيارات، فبالرغم من أنّه لا يشكل نسبة عالية في أسباب حوادث السير، يرى خبراء إيرانيون أنّ زيادة مستوى الأمان في السيارات، من شأنه أن يقلّل خسائر هذه الحوادث إلى النصف. ويبدو ذلك يبدو صعباً في ظلّ العقوبات الأميركية المفروضة على إيران بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي في مايو/ أيار 2018، التي طاولت قطاع السيارات، ما أدى إلى انسحاب الشركات العالمية الكبرى من البلاد، بالإضافة إلى حظر بيع قطع السيارات لها، وهو ما أجبر الشركات الإيرانية المصنعة للسيارات على الاعتماد على قطع غيار أقل جودة. وفي السياق، يتوقع هاديانفر تزايد دور عامل السيارات في حوادث المرور خلال السنوات المقبلة، عازياً ذلك إلى منع استيراد السيارات الأجنبية "الآمنة" والمشاكل في توفير قطع السيارات المحلية الصنع بسبب العقوبات.

ويحمل 44 مليون إيراني رخصة قيادة، ويبلغ عدد وسائل النقل 33 مليون مركبة.
لحوادث السير تداعيات في مختلف الأصعدة، خصوصاً الاجتماعي والاقتصادي. وتمتد هذه التداعيات إلى سنوات وعقود بعد وقوع الحادث، فاجتماعياً، يشكل المتزوجون ثلث الوفيات في هذه الحوادث، ما يعني بحسب البيانات الإيرانية، فقدان 6 آلاف أسرة إيرانية معيلها سنوياً. كذلك، تمثل الحوادث العامل الثالث في ترميل النساء في إيران. تضاف إلى ذلك، المشاكل الاجتماعية التي تنتج من إعاقة 60 ألف إيراني سنوياً بسبب هذه الحوادث.



أما من الناحية الاقتصادية، فحوادث السير تحمّل خزانة الدولة الإيرانية تكاليف باهظة سنوياً، تطاول 7 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي البالغ 430 مليار دولار.

تبنت الحكومة الإيرانية خلال العقدين الماضيين حلولاً وآليات متعددة لعلاج حوادث المرور وتقليصها، من خلال حملات تثقيف وتوعية لنشر الثقافة الصحيحة لقيادة السيارة والمرور في المدارس ومختلف وسائل الإعلام، على رأسها في القنوات الإذاعية والتلفزيونية، وتشديد قوانين المرور وزيادة الغرامات لتصل إلى 40 دولاراً، وتركيب كاميرات المراقبة في الشوارع الرئيسة، وتطوير شبكة الطرقات. وتظهر البيانات أنّ هذه الخطوات سجلت نجاحات، إذ تراجع عدد الوفيات من 27 ألفاً و755 شخصاً في عام 2005 إلى 17 ألفاً و183 شخصاً في عام 2018، وذلك على الرغم من أنّ عدد السيارات خلال هذه الفترة الزمنية ازداد بنسبة 153 في المائة، كذلك ازداد عدد الدراجات النارية بنسبة 120 في المائة. وبالرغم من ذلك، ما زالت الأرقام عالية وتستدعي بحسب الخبراء بذل مزيد من الجهود الشعبية والرسمية لتقليص عدد حوادث السير واحتواء تداعياتها الكبيرة.