حرب المهمشين في الساحل والصحراء... عنف عرقي عابر للحدود

05 يوليو 2018
الصورة
إياد أغ غالي بين عدد من مقاتليه (Getty)
+ الخط -

يتوقع البروفيسور ألكسندر ثورستون، الأستاذ الزائر ببرنامج الدراسات الأفريقية في جامعة جورجتاون الأميركية، امتداد المواجهات العرقية الدائرة في شمال مالي على حدودها المشتركة مع النيجر، إلى وسط وجنوب البلاد، مع تصاعد وتيرة المواجهات التي تدور رحاها حاليا بين المكونات المحلية، إذ يشهد إقليم ميناكا الحدودي مع النيجر منذ عام ونيف، معارك ضارية راح ضحيتها 152 قتيلا مدنيا في هجمات متفرقة خلال شهري إبريل/نيسان ومايو/أيار من العام الحالي فقط وفقا لإحصائيات وثقها معد التحقيق عبر البيانات المعلنة من قبل المسؤولين الأمنيين وحاكم الإقليم داودا مايجا.

واشتدت المواجهات في إقليم ميناكا مؤخرا، بين كل من تحالف حركة الدفاع الذاتي طوارق إيمغاد المعروف اختصارا بـ"غاتيا" وحلفائها (حركة السلام من أجل أزواد "إمسا" التي تتكون من قبائل دوسحاق الطارقية أيضا، إلى جانب فصيل صغير من الفلاني المدعومين من قبل الحكومة المالية والفرنسية) في مواجهة الجهاديين من تحالف "جبهة تحرير ماسينا" التي تأسست مطلع عام 2015 وتستمد جذورها الفكرية من الدعوة السلفية التي أطلقها ابن المنطقة الشيخ عثمان فودي في عام 1795، والتي كانت تسيطر على ثلاث دول حالية، هي مالي والسنغال والنيجر، كما يقول الباحث والكاتب الموريتاني سيد أحمد ولد باب، مؤكدا لـ"العربي الجديد" أن عناصر ماسينا التي تعد أول تنظيم جهادي يتشكل على أساس عرقي في مالي، ينتمون إلى قومية الفولاني الذين يشكلون 9% من سكان مالي ويتركزون في المنطقة الوسطى منها، ولا يوجد في الجبهة أي عنصر من غير الفولاني.


اشتعال الساحل والصحراء

انزلقت عمليات مكافحة الإرهاب التي نفذت في ميناكا إلى اقتتال طائفي بين الطوارق والفولان والمجموعات الأخرى التي تسكن مناطق الحدود بين مالي والنيجر، بحسب ما يؤكد غيليب ويس، من مؤسسة الدفاع عن الديموقراطيات في مقالة نشرها في أيار/مايو الماضي بعنوان "الصراع داخل الصراع في إقليم ميناكا بشمال مالي"، المنشور على موقع مجلة "لونغ وور جورنال" المختصة في الدراسات الأمنية، قائلا إن "غاتيا" و"إمسا" اتهمتا بقتل عشرات الفولان في النيجر.

وعلى الرغم من أن الفولان والطوارق يعانون سوية من التهميش، غير أن الحرب على الإرهاب قد أحدثت شرخا كبيرا بينهم، فبينما يقود تحالف "غاتيا" الحرب على الجماعات الإرهابية بحجة الدفاع عن النفس ضد متطرفين أجانب، يُصنف الفولان بموالاة، أو دعم الإرهابيين المفترضين في المنطقة، بحسب ما قاله الصحافي المالي عليو هيسي في مقالة له نشرتها شبكة الأنباء الإنسانية "إيرين"، غير أن سيدي أغ محمد أبو بكر، الناطق الإعلامي باسم تحالف غاتيا ينفي لـ"العربي الجديد" أن تكون حملتهم لمكافحة الإرهاب ذات بُعد عرقي، أو أنها تستهدف قبائل الفولاني، متابعا بالقول: "صحيح بأن أحمدو كوفا الذي يتزعم حركة ماسينا هو من الفولان، ولكن هذا لا يجعل من جميع الفولان جهاديين، وكذلك الأمر بالنسبة للطوارق، إذ إن إياد أغ غالي الذي يتزعم جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، هو من الطوارق، ولكن الطوارق ليسوا جميعهم جهاديين"، مضيفا أن زج مسمى قومية الفولاني كما رُوّج إعلاميا لا يعدو كونه محاولة لجر المنطقة وسكانها إلى صراعات عرقية بين القوميات الطوارقية والفولانية والعربية المتعايشة والمتجاورة منذ مئات السنين في أمن وسلام بينهم، غير أن البروفيسور ثورستون يرى عكس ذلك قائلا إن الحرب على الإرهاب تحولت إلى مواجهات عرقية، موضحا أن "العنف العرقي قد عبر الحدود من مالي إلى النيجر ومن مالي إلى بوركينا فاسو".

وتابع "أعتقد أن التدخل الفرنسي عامل من العوامل وراء المواجهات الأخيرة"، وهو ما يذهب إليه الدكتور خالد بايموت، الأستاذ الزائر بجامعة محمد الخامس بالرباط، والمهتم بقضايا الصحراء الكبرى، قائلا لـ"العربي الجديد": "لم يوقف التدخل الفرنسي أولا، والأميركي ثانيا الصراع الذي يتجه ناحية الاستدامة الإثنية في الساحل والصحراء لأهداف جيوسياسية".

ويتفق معهما الباحث والصحافي النيجيري حكيم نجم الدين، قائلا لـ"العربي الجديد": "هناك عوامل متعددة تساهم في تفاقم التوترات العرقية في أفريقيا جنوب الصحراء، منها ما هو سياسي واقتصادي واجتماعي، والصراع تأجج بعد التدخل الأجنبي ولم يتراجع".



صراع عرقي عابر للحدود

تتفاقم المخاوف من امتداد الحرب التي أخذت أبعادا عرقية في جميع دول الساحل والصحراء، إذ أصبح الوضع في إقليم ميناكا على الحدود بين مالي والنيجر حربا بالوكالة بعد التعاون الفرنسي مع حركة إنقاذ الأزواد وجماعة الإيمغاد الطوارق وحلفائهم، وهو ما تقرأه الجهة المقابلة بأنه يأتي لاستهداف الفولان، بحسب تأكيد البروفيسور ثورستون، لكن تحالف غاتيا ينفي أنهم كحلفاء للقوات الحكومية يستهدفون المدنيين على أساس إثني "لأن الحرب في الأساس بين جماعة مسلحة جهادية ومجموعة مسلحة وهي غاتيا وحلفائهم من الحكومة المالية لم تستهدف أي مدني" على حد تأكيد الناطق باسم التحالف أبوبكر لـ"العربي الجديد".

وتقود الدولة في مالي، حملة مع مجموعات من الطوارق والعرب للتصدي لنشاط الجماعات الجهادية في بعض مناطق مالي، إذ شكّلت مجموعات "للدفاع الذاتي"، وهي عبارة عن تشكيلات قبلية مسلحة تتولى الدفاع عن نفسها ضد الاعتداءات، في ظاهرة آخذة في التزايد في المنطقة، بهدف حماية القبائل من هجمات التنظيمات المسلحة وعمليات السلب والنهب، بحسب ما أوضحه الناطق باسم تحالف غاتيا.

ومن أبرز هذه المجموعات حركة الدفاع الذاتي المكونة من (طوارق إيمغاد وحلفاؤهم) وتعرف اختصارا بـGATIA التي تأسست في الثالث من أغسطس/آب عام 2014، وسرعان ما غدت أكبر مجموعات "الدفاع الذاتي" التي تقود عمليات مواجهة المجموعات الجهادية في مالي، وتحالف غاتيا وهو تحالف لمكونات محلية بشمال مالي، إذ يضم بجانب قبائل إيمغاد الطارقية، "حركة السلام من أجل أزواد" (MSA- إمسا)، وأطلع الناطق باسم تحالف غاتيا "العربي الجديد" وثيقة لاتفاق وقع بينهم وبين مجموعة تتبع الفولان في إقليم ميناكا تدعى حركة المقاومة الشعبية "غنديزو" لمكافحة الإرهاب، وشدد على أن مضمون هذا الاتفاق هو التعاون وحفظ الأمن والسلم بين المجتمعات ومكافحة الجريمة.

ويعد طوارق إيمغاد من أكبر فروع الطوارق، إذ يمثلون أكثر من 80% من مجمل تعداد الطوارق، ويوجدون في مالي والنيجر وبوركينا فاسو وموريتانيا والجزائر وليبيا، بحسب إفادة الكاتب والإعلامي الليبي المستقل والمهتم بشعوب جنوبي الصحراء الكبرى الحسين بن قرين درمشاكي.

ويقول سيدي أغ محمد أبوبكر، لـ"العربي الجديد"، إنّ "الهدف الرئيس لحركة غاتيا هو الدفاع عن شعبها وحلفائها واستعادة الأمن ومحاربة الجريمة". كما يشدد أبوبكر على أنهم يحاربون جهاديين أجانب ينشطون في إقليم أزواد شمال مالي، وتابع بالقول: "أفراد هذه الجماعات ينتمون إلى أكثر من دولة، فمنهم الموريتانيون والمغاربة والجزائريون وليبيون ونيجيريون".



محاربة الإرهاب

قادت القوات الحكومة المالية، والقوات الفرنسية عمليتين عسكريتين كبيرتين، وهي عملية "سرفال" التي بدأت أثناء التدخل الفرنسي في عام 2012 شمالي البلاد، وعملية "برخان" في أغسطس/آب 2014 بمشاركة 4 آلاف عنصر لتشمل مالي والنيجر وتشاد، ونشطت المكونات المحلية في هذه الحرب، فتحالف غاتيا المكون في غالبيته من الطوارق والمدعوم من قبل القوات الفرنسية والحكومة المالية، في مواجهة عناصر "جبهة تحرير ماسينا" الذين يشكل الفولاني غالبيتهم العظمى، ويصطف إلى جانبهم، عناصر حركة "أنصار الدين" التي يتزعمها إياد أغ غالى، وهو من الطوارق، وقيادي سابق بالحركات الأزوادية المناهضة للحكومة المركزية في باماكو، قبل أن ينضم لاحقا للتنظيمات الجهادية لينشط من مدينة كيدال، إحدى كبرى المدن منطقة أزواد بشمال مالي، مما تسبب حينها في صراع دام بين المجموعات الجهادية وأنصار الدين من جهة، والحركات الأزوادية الانفصالية من جهة أخرى، حتى تمكنت الأخيرة من طرد الجهاديين من المنطقة في يناير/كانون الثاني 2013 بسبب اختلاف التوجهات والمنطلقات بين الفصيلين، كما أوضح البروفيسور ثورستون.

وجبهة تحرير ماسينا، إحدى مكونات "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" التي أعلنت أربع تنظيمات جهادية بمنطقة الساحل والصحراء عن تشكيلها في الثاني من آذار/مارس 2017، وتزعمها لاحقا أغ غالي، وعقب كمين نصبه جهاديون ينشطون في المنطقة في الرابع من أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي أسفر عن مقتل أربعة جنود أميركيين من القوات الخاصة و5 جنود نيجريين، تم الكشف عن وجود نشاط عسكري أميركي في تلك المنطقة وفقا لصحيفة "زون ميليتار-أوبكس 360" الفرنسية المتخصّصة في القضايا العسكرية والاستراتيجية.


وبحسب المراقبين والمحللين المختصين في تاريخ المنطقة، فإن المتهم وراء هذه الحادثة كان راديكاليا فولانيا من الفولاني يدعى دوندو تشيفو، وهو أول من حمل السلاح في وجه الدولة بالنيجر، وتحول ليصبح راديكاليا بسبب خلاف مع الطوارق الذين يتهمون بالإغارة على مواشي الرعاة الفولان، ليصبح تشيفو لاحقا أحد مساعدي عدنان أبو الوليد الصحراوي (من الصحراء المغربية) زعيم فرع تنظيم الدولة الإسلامية في منطقة الصحراء الكبرى والذي أعلن مبايعة أبوبكر البغدادي في عام 2015، وفى أكتوبر/تشرين الأول 2016 اعترفت وسائل إعلام التنظيم بتلك البيعة، وأن معظم أتباع الصحراوي ينشطون في مناطق الحدود الهشة بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو، حسب ما جاء على موقع "مشروع التهديدات الحرجة" التابع لمعهد "أميريكان إنتربرايز" والذي يتقفى أثر نشاط المجموعات الجهادية هناك.


الدفاع الذاتي

يقر الناطق باسم تحالف غاتيا بالعلاقة بينهم وبين القوات المالية والعملية العسكرية الفرنسية في مالي "لمكافحة الإرهاب"، غير أنه يرفض تسمية "صحوات" التي يطلقها عليهم خصومهم
لأن "التنظيمات الجهادية تطلقها على خصومهم وهذه التنظيمات في حرب مع العالم كله، وبالتالي العالم الإسلامي ليس كله صحوات أو مليشيات لأن العالم في حرب ضد التنظيمات الجهادية" كما يقول.

ويضيف: "نحن لا نقاتل لمصلحة القوات الأجنبية، وإنما نقاتل من أجل أنفسنا مثلنا مثل العراقيين والسوريين والأفغان والليبيين حاليا"، لكن الباحث الليبي درمشاكي يقول إن "تزايد ما يعرف بمجموعات الدفاع الذاتي يهدد وحدة إقليم أزواد ومالي عامة. وما دامت هناك دول تتصارع على نفوذها في المنطقة، سنرى المزيد من تلك المليشيات"، مضيفا "أخشى ما أخشاه أن تدفع شعوب المنطقة ثمنا باهظا ما لم ترفع الدول التي يغذي تدخلها السافر في الصراع يدها"، الأمر الذي يراه الصحافي الموريتاني المتخصص في شؤون الصحراء الكبرى محمد محمود أبوالمعالي، قد يتحقق بعد إعلان مجموعات من الفولاني في مالي وبوركينا فاسو، عن تكوين مليشيا مسلحة للدفاع الذاتي أطلق عليها "التحالف من أجل إنقاذ الساحل" (ASS) بهدف "حماية مجتمع الفولان الذي يواجه مليشيات متعددة الأعراق في المنطقة".

وتسري مخاوف في المنطقة من احتمالات انتقال نشاط الجهاديين أو الحرب ضدهم من مالي إلى بقية دول بحيرة تشاد (والتي تضم بجانب تشاد، النيجر ونيجيريا وبنين والكاميرون)، حيث تنشط حركة "بوكو حرام" الإرهابية، والتي تأسست في 2009 في نيجيريا وتمددت لدول الجوار، فسارعت دول المنطقة في فبراير/شباط 2015 لتشكيل "قوة متعددة الجنسيات" في انجمينا، قوامها 10 آلاف جندي، لكن البروفيسور ثورستون الذي أجرى أبحاثا ميدانية في المنطقة يرى أن الوضع في منطقة بحيرة تشاد يختلف عن الوضع في مالي، ولا يتوقع أن المواجهات بين الفولاني والطوارق ستمتد وهو ما يوافقه فيه الباحث المالي المتخصص في تاريخ منطقة الصحراء السيد بن بيلا، والذي قال لـ"العربي الجديد": "الأمر محدود وفي منطقة محدودة وللأسف اتسم أداء الدولة المالية بغباء سياسي ملحوظ ضد الفلان في هذه المرحلة، كما حدث ضد الطوارق والعرب منذ ما يزيد على عقدين".

ويشير بعض المراقبين إلى احتمالات تمدد الصراع العرقي من مالي إلى بعض دول الإقليم، مع تزايد الحوادث الأمنية المنسوبة لجهاديين ينشطون في المنطقة، خاصة داخل هذه البلدان، ذلك أن الجهاديين يتوزعون بين الطوارق والفولان على حد سواء؛ ففي الوقت الذي يشكل الفولان غالبية عناصر "جبهة تحرير ماسينا"، يتزعم حركة "أنصار الدين" أياد أغ غالى، وهو من الطوارق وتعتبر الحركة موالية لتنظيم القاعدة، كما جاء في شريط إعلان "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" الذي بثته في آذار/ مارس 2017، "مؤسسة الزلاقة للإنتاج الإعلامي" الذراع الإعلامي للجماعة، أعلن فيه تمسكه ببيعته لتنظيم القاعدة بزعامة أيمن الظواهري، أوردته وسائل الإعلام حينها.



التفاوض

تتخوف بعض الأطراف في مالي من اتساع رقعة المواجهة الإثنية مع ما يجري من صراعات، ستؤدى إلى نتائج وخيمة، لذا طرحت فكرة التفاوض مع "الجهاديين" لتجنيب البلاد مزيدا من التمزق.

وفي إبريل/نيسان 2017 طالب المؤتمر الوطني للسلام برعاية الرئيس المالي إبراهيم أبو بكر كيتا الذي عُقد في العاصمة المالية باماكو، وشاركت فيه المكونات المحلية، بالحوار مع زعيمي "أنصار الدين"، إياد أغ من الطوارق ومادو كوفا زعيم جبهة تحرير ماسينا وهو من الفولاني.

وهذا المطلب يتسق مع مقاربة لدى دوائر مكافحة الإرهاب في الغرب مؤداها: التمييز بين أولئك الذين يحملون أهدافا قابلة للتفاوض وبين المقاتلين الأجانب الذين هم جزء من شبكات جهادية عابرة للحدود، وكذلك الحد من تعميم تهمة الإرهاب لتبرير استهداف مجموعات معينة كالفولان، كما يقول البروفيسور ثورستون مضيفا: "أظن أن التدخل الأجنبي قد أنتج تأثيرات عديدة غير متوقعة والآن تهدئة الوضع ستكون صعبة جدا".