حرب أهلية لن تقع في لبنان

09 نوفمبر 2019
الصورة
+ الخط -
إنه اليوم الـ24 على انتفاضة لبنان. لم يعد ممكناً، بل مستحيل، تجاوز ما رسمه المنتفضون بعد 17 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي. حقق الشعب اللبناني انتصاراً حقيقياً، وما يحصل الآن هو تكثيف هذا الانتصار، بما يسمح بحمايته في أيٍّ من حالات الثورة المضادة. في لبنان، الجميع تقريباً على ثقة بأن شيئاً ما تغيّر، وأن المستقبل سيُبنى على هذا الأساس. هناك من يريد التلاعب بهذا التغيير، عامداً إلى تشويه الانتفاضة، سواء بالتخوين أو بوصف المنتفضين بأنهم "عملاء وتابعون لسفارات"، كما تمّ ترويج أخبار كاذبة إلى درجة تثير السخرية، مثل اتهام الطلاب بأنهم يتلقّون اتصالاتٍ من إسرائيليين وأتراك وما شابه، تحرّضهم على الثورة وإقفال مدارسهم. لقد بلغ غباء معارضي الانتفاضة الشعبية حداً لا يُضاهى، يعرّي مصداقيتهم أكثر أمام الناس أولاً والتاريخ ثانياً. وجديد ما تفتّق عنه هؤلاء قولهم إن "الحرب الأهلية تلي تلك الاحتجاجات"، حتى أن بعضهم أجرى مقارنة بالتظاهرات المطلبية عشية حرب لبنان (1975 ـ 1990) لإثبات وجهة نظرهم.
حسناً، لنكن أذكياء قليلاً، ومتحرّرين من التبعية السياسية والمالية والإعلامية. كيف يمكن لبلد مثل لبنان أن ينخرط في حربٍ أهلية اليوم؟ هل يُمكن لأي عاقلٍ تجاهل حقيقة أنه في السنوات الـ29 الماضية، "تقاعدت" كل المليشيات التي شاركت في الحرب اللبنانية، ولم تقم بتدريبات عسكرية لعناصر جدد، في مقابل مشاركة حزب الله وحده في الحروب والمعارك في لبنان وسورية والعراق واليمن وتجنيده عناصر جديدة وتدريبها؟ بوضوحٍ أكثر، هل يعتقد بعضهم بأنه في حال اتّحدت كل الطوائف في لبنان عسكرياً ستكون قادرة على ضرب حزب الله؟ أو أنه سيأتي من يقول إن "الجيش اللبناني سيحارب حزب الله"؟ وفق أي قاعدةٍ يمكن حصول هذا الأمر؟ ألا يدرك القائل إن الجيش متعدّد الطوائف، وأن العناصر الآتية من بيئة حزب الله، قادرة على الانشقاق عن الجيش، وفقاً للذهنية السائدة في البلاد حالياً أي "كل طائفة تحمي نفسها"؟ على أمل تغيير الذهنية من الطائفية إلى المواطنة، كإنجازات محتملة لانتفاضة "17 تشرين" مستقبلاً، ولكن هذا حديث آخر.
يبقى احتمال واحد: أن تفتعل أحزاب السلطة، بما فيها التي تعارض هذه السلطة حالياً، باشتباكات أمنية محدّدة، لإعادة الناس إلى طوائفهم ومناطقهم، ومنعهم من كسر الحدود الطائفية. ومثل هذه الاشتباكات تُحفّز الغرائز والحقد المناطقي والمذهبي، وتُبعد الناس عن التفكير بتطوير المواطنة وصناعة شعب لبناني يدفن الشعوب اللبنانية المتفرقة، باسم الحقوق والعدالة الاجتماعية. يهمّ أحزاب السلطة إبقاء الحقد متأصلاً في نفوس الناس، ونقله إلى الأجيال الجديدة، أي ذوي الفئة العمرية ما بين سن الـ15 والـ25 الذين خرجوا من موروثات الماضي الدموي والعنيف والمنقسم على ذاته.
من يسوّق حربا أهلية، معيداً إلى الذاكرة محطات سابقة، في انتقائية مقصودة، لمحاولة التأثير على الناس، ومنعهم من مواصلة انتفاضتهم، هو جزء من منظومةٍ تدرك تماماً أنها في بدايات سقوطها بالتوازي مع بدايات سقوط النظام. منظومة الإعلام اللبناني الخادم للنظام السياسي والمبني بغالبيته على العلاقات العامة، لا على رفع راية حقوق الناس والمواطنية، هو أحد العناصر التي لا بدّ من سقوطها. الحرية لا تقف عند أبواب بيوت زعيم سياسي أو حزب ما أو تيار ما. إعادة مأسسة الحرية الاجتماعية تبدأ من هناك، من تلك البيوت ووسائل الإعلام الحليفة لها.
لا لن تقع حرب أهلية أبداً، على الرغم من محاولات الأحزاب تحشيد عناصرها في سياق تأجيج الحقد بين اللبنانيين، ذلك لأن الانصياع إلى تلك الأحزاب ورغباتها يعني، حكماً، الخضوع لمنطق أشدّ عنفاً وأكثر إيلاماً مما كان عليه الأمر قبل 17 أكتوبر. اللبنانيون قالوا "لا للخضوع"، ولن يتحمّلوا مسؤولية أي انهيار مالي، بل معاقل الأحزاب وبيوت زعمائها ستدفع الأثمان. هكذا يقول التاريخ.