حذاقة "أسرار رسمية".. وأسئلته

15 نوفمبر 2019
الصورة
+ الخط -
لم يتوسّل المخرج الجنوب أفريقي، غافن هوود، في إنجازه فيلمه "أسرار رسمية" (2019)، إبهارا في مشهدياتٍ لافتة، ولا حركةً وإيقاعاتٍ ومؤثراتٍ جذابة، ولا أيا من صور وتقنياتٍ تنشدّ إليها حواسّ المشاهد ومداركه. لا شيء من هذه "الصنعة" أبدا. ثمّة فيلمٌ يقوم على بساطةٍ ظاهرة، لا لشيء، إلا لأنه لا حاجة به لأيّ من هذا كله، ولا لاستعراض براعةٍ فائضةٍ في الإخراج والتصوير. قام هذا الفيلم، الرائق والشائق حقّا، والكثير الأهمية في موضوعته ومُرسلتِه، على طاقة التعبير لدى الممثلة الرئيسية فيه، البريطانية كيرا نايتلي (1985)، على قدرتها الفائقة في تشخيص التوتر والقلق والترقّب والتحسّب والانتظار ومشاعر الاضطراب والحيرة والخوف، وكذا حالات القرف من كذب توني بلير وجورج بوش الابن، في غضون استعدادهما لشن الحرب المعلومة على العراق. نفور هذه الشخصية من دجلهما، وغضبها من حربٍ ستقع في شتاء العام 2003، ارتباكُها وتردّدها أولا، ثم حسمُها أن تفعل ما فعلت، ثم خوفُها الممزوج بارتياحٍ نفسيٍّ لأدائها ما أدّته في محاولتها وقف تلك الحرب التي وقعت. وفي الوُسع أن تُعزى جودة هذا الفيلم (ساعة و52 دقيقة)، وهو ينتسبُ إلى الدراما التوثيقية (غير الوثائقية) في سينما تنيط بنفسها دورا ثقافيا وإعلاميا وحقوقيا، إلى الأداء البديع للممثلة نايتلي، المرشّحة غير مرة للأوسكار، وكذا إلى السيناريو الشديد الإحكام، والحوار النابه، الخالي من الحشو والثرثرة (يحضران كثيرا في أفلامٍ أميركية شهيرة)، والذي استند إلى كتابٍ عن التجربة الصعبة، والمثيرة لا ريب، للموظّفة السابقة في مكتب الاتصالات الحكومية، التابع للاستخبارات البريطانية، كاترين تيريزا غن، بعد أن صادفت، في أثناء عملها (الترجمة عن الصينية) رسالةً في البريد الإلكتروني من وكالة الأمن القومي الأميركية إلى المخابرات البريطانية، تطلب التجسّس على مندوبي الدول غير الدائمة العضوية في مجلس الأمن، في حينه، لابتزازِهم، من أجل التأثير على تصويت بلدانهم بغرض تمرير مشروع قرار الحرب على العراق. 
تؤدّي كيرا نايتلي دور شخصية كاترين غن بكفاءةٍ شديدة الحذاقة (هذا الأداء رافعة الفيلم الفنية). وينشدّ المشاهد إلى مجرى وقائع القصة المثيرة، بعد أن سرّبت الموظفة في المؤسّسة الاستخبارية الحسّاسة تلك الرسالة إلى صديقةٍ لها ناشطةٍ ضد الحروب (لعله في الحقيقة صديق؟)، لتعطيها هذه إلى صحافي في "أوبزيرفر"، فينشرها في الصفحة الأولى، وذلك في تتابع مشاهد مصوّرةٍ في الصحيفة وفي غير مكان (في مرآب للسيارات مثلا). وفي الأثناء، جاء مهمّا جدا، سيما لنا نحن الذين نعمل في الميديا العربية، أن نلحظ تغليب المهنيّة والاندفاعة إلى السبق الصحافي على الموقف العام للصحيفة الذي كان منحازا للحرب ضد صدّام حسين (بهذه اللغة بالضبط). وبعد النشر، ينعطف مسار القصة إلى محاكمة كاترين غن، وما يبذله المحامي الرفيع الذكاء من أجلها، وما يقوم به المدّعي العام من أجل توتير أعصابها (هل كانا صديقيْن حقا كما في الفيلم أم لا؟ لا أعرف، ولكن هذا فاتنٌ في الحكاية).
لسنا أمام "خيانة" جاسوسٍ مخابراتيٍّ كالتي اقترفها الموظف الشاب في وكالة الأمن القومي الأميركي، إدوارد سنودن، والذي تمنحُه روسيا حاليا لجوءا مؤقتا، بعد هروبه من بلاده، إثر تسريبه وثائق سرّية إلى الصحافة، من دون دافع أخلاقيّ لديه. ولسنا أمام خيانةٍ كالتي فعلتها المتحوّلة جنسيا، محللة الاستخبارات السابقة في القوات البرية الأميركية، المحكوم عليها بالسجن 35 عاما، تشيلسي مانينغ، لتسريبها وثائق سرّية كثيرة إلى "ويكيليكس". هي وثيقة سرّية وحيدة، أرادت كاترين غن من تسريبها إضافة دليلٍ على كذب بوش وبلير، رفضًا منها، ومن قطاعٍ عريضٍ في الرأي العام البريطاني، حربا على العراق قامت على دعاوى زائفة. كان وازع هذه المرأة التي تعيش حاليا في تركيا (مع زوجها الكردي التركي المسلم، أدّى دوره الفلسطيني آدم بكري) أن تساهم في وقف الحرب، أيا كانت كلفة فعلها الذي يخرق بديهيةً في وظيفتها.
تطوف في أخيلتك، بعد مشاهدتك "أسرار رسمية"، زوبعةٌ من أسئلةٍ ممضّةٍ، يتعلق واحدٌ منها بمقادير الركاكة القذرة لزعاماتٍ منتخبةٍ في دول ديمقراطية، من أنماط بلير وبوش، وآخر عن مقادير الشجاعة الأخلاقية الباهظة لدى امرأةٍ اسمها كاترين غن، حاولت إيقاف حربٍ، يا لأهوال الخراب الذي صنعته، ولمّا يتوقف بعد.