حديقة الحامة جنّة جزائريّة

حديقة الحامة جنّة جزائريّة

04 يونيو 2016
الصورة
رُممت الحديقة وأعيد فتحها عام 2009 (فايز نورالدين/فرانس برس)
+ الخط -
كان على فرنسا، بعد احتلالها الجزائر عام 1830، أن تعطي إشارات حقيقية على صحّة ادعاءاتها بأنها جاءت لنشر الحضارة في هذا البلد. لذلك، بادرت إلى إطلاق مشاريع عدة خلال السنوات الأولى لدخولها، على رأسها مشروع حديقة التجارب العلمية شرق العاصمة الجزائر، والتي امتدت على مساحة 32 هكتاراً، على بعد مئات الأمتار من خليج المدينة.

وحرص الفرنسيون على أن تكون الحديقة من بين أجمل خمس حدائق في العالم. في هذا الإطار، زودتها بنباتات نادرة جلبت معظمها من مستعمراتها في أفريقيا وآسيا. ولا بد من الإشارة إلى أن درجة الحرارة شتاء داخل الحديقة لا تقل عن الـ 15 درجة مئوية، ولا تزيد عن الـ 25 درجة مئوية صيفاً، علماً أنها تتراوح في المدينة ما بين ست درجات و38 درجة مئوية.

هذه الحديقة التي تُعرف شعبياً بحديقة الحامة نسبة إلى المنطقة التي تتواجد فيها، تتميز بطابعها الفرنسي والإنجليزي، وفيها حديقة حيوانات ومدرسة للزراعة ومساحة للاختبارات الزراعية. ولدى رؤيتها من أعلى هضبة مقام الشهيد، تظهر وكأنها متحف أخضر كبير. عمر معظم أشجارها تجاوز القرن ونصف القرن، وليست موجودة إلّا في بقع نادرة في العالم، منها شجرة الكزيرة المعروفة بعشبة الذكاء، ونخلة البلميط.

مع ذلك، تعرضت حديقة الحامة للإهمال خلال فترة العنف والإرهاب في الجزائر. سرقت حيواناتها ونباتاتها إلى أن أغلقت بفعل ضغوط منظمات المجتمع المدني. وخلال عام 2009، أعيد فتحها بعد ترميمها. في هذا السياق، تقول إحدى الناشطات في مجال البيئة فتيحة زروالي، والتي تطلّ شرفة بيتها في شارع بيلكور على الحديقة، إنها كانت تتألّم كلّما رأت هذا الفضاء النادر تحت سلطة الشباب المنحرف. تضيف لـ "العربي الجديد" أن "ترميمها وعودتها إلى النشاط من جديد أعطانا أملاً كبيراً لناحية الاهتمام بحماية البيئة في الجزائر".

وكان تصوير فيلم طرزان داخل فضاء الحديقة عام 1938 سبباً في وصولها إلى العالمية، وقد باتت مقصداً للسياح والمهتمين بعلم النباتات. في السياق، يقول رئيس جمعية الكلمة عبد العالي مزغيش لـ "العربي الجديد" إنه "ينبغي على الجزائريين الحفاظ على سمعتها وجعلها فضاء ليس للترفيه فقط بل أيضاً للأنشطة الثقافية والفنية". يضيف أنه "عادة ما ننظّم أمسيات شعرية في الحديقة"، لافتاً إلى أنها تجمع ما بين سحر الكلمة وسحر الطبيعة.

وبمجرد الدخول إلى الحديقة، تشعر بأنّك غادرت الجزائر العاصمة إلى فضاء جميل اعتاد الجزائريون على رؤيته في الأفلام فقط. في السياق، يقول رفيق إنه يدرس تقنيات الزراعة داخل الحديقة منذ أشهر. وفي كل مرة يدخلها، يشعر وكأنه يزورها للمرة الأولى. ويأسفُ لأن الجزائريين تخلوا عن ثقافة الاهتمام بالحدائق التي كانوا يتمتعون فيها عبر التاريخ، وخصوصاً أولئك الذين نزحوا من الأندلس. يضيف: "كشفت وزارة التعليم العالي أن معهد الزراعة كان أضعف مؤسسة جامعية لناحية اختيارات الطلاب الجدد. كذلك، فإن الحدائق الجزائرية في مختلف المدن تحولت إلى مساحات مهملة". ويسأل: "لماذا لا تعمل الحكومة على تأمين فرص عمل لخريجي هذا المعهد، فتعاد الروح إليها؟".

في هذا السياق، يقول أحد باعة التذاكر في الحديقة لـ "العربي الجديد" إنه "خلال عطلة نهاية الأسبوع وباقي العطل المعروفة، وخصوصاً عطلة الربيع، تشهد الحديقة إقبالاً كبيراً من العائلات والمدارس". عند المدخل الجنوبي، ينقسم الطريق إلى وجهتين. تقود اليمنى إلى حديقة الحيوانات، والتي تقصدها الكثير من الأسر، فيما تقود اليسرى إلى بقية أقسام الحديقة. في هذا السياق، يبدي سعيد خ. تذمّره من خلو الحديقة من مساحات للأكل والشرب، عدا ثلاثة مطاعم. يضيف أن للطعام في هذه الحديقة نكهة خاصة، متسائلاً: "لماذا يجبروننا على الأكل في الخارج؟". يتابع: "كنت لأبقى هنا طوال اليوم لو وجدت مطعماً أسعاره مقبولة".

من جهته، يقول مسعود ربراب الذي جاء من مدينة بجاية، إن أطفاله يحبون المجيء إلى الحديقة لرؤية الحيوانات على الرغم من بعدها عن مكان سكنهم. يضيف: "يجدون في هذا المكان فرصة للتعلم والمرح والتقاط الصور".

إلى ذلك، يشكو بعض أعوان أمن الحديقة، وعددهم مائة، من عدم تفريق الكثير من الزوار بين الحديقة العادية وتلك ذات الطابع العلمي. على سبيل المثال، يلفت إلى أن "هناك أعشاباً لا ينبغي أن يداس عليها، وحيوانات لا ينبغي أن تتناول طعاماً غير الذي يحدده بيطريون معتمدون، وغيرها".