حديث يبدأ من الهند .. السلاح والخيبة

16 اغسطس 2014   |  آخر تحديث: 05:16 (توقيت القدس)

شارون وفاجباي عند توقيع اتفاقية تعاون هندية إسرائيلية (نيودلهي/سبتمبر/2003/أ.ف.ب)

+ الخط -


ربما من نوع الهمّ الذي يُضحِك، قرين الهَمّ الذي يُبكي، الخبر الذي نشرته الصحف الهندية في الأول من أمس، الخميس. فقد تعثرت عملية التهيؤ للدفاع عن السواحل الهندية، بسبب غزة، إذ رقدت لأسابيع، في مطار سيول، عاصمة كوريا الجنوبية، طائرات الشحن، التي تحمل محركات الصواريخ المصنوعة في كلكتا، في انتظار السماح لها بالإقلاع إلى مطار بن غوريون. وقال نائب قائد الأسطول البحري الهندي، هاريندر سينغ، إن هذه الصواريخ هي الأهم، لأنه ليس لدى القطعات البحرية والقواعد الأرضية لدفاعات السواحل السلاح بعيد المدى، وما لدى الهنود يدافع بالكاد عن السفن الحربية. أما تلك الصواريخ المرسلة إلى إسرائيل، لإجراء الاختبارات وتزويدها باللازم من المنظومة التقنية، في إطار التعاون بين المنظمة الهندية للتطوير العسكري وأبحاث الدفاع، ومؤسسة الصناعات الجوية الإسرائيلية، فإنها طلب الهنود. وأضاف: "لكننا نراقب وضع إسرائيل في الحرب مع غزة، وعليه، فقد تأخر موعد الشحن"!
السؤال هنا: من ذا الذي يمكن أن يدخل بقوة على خط الهند، ويذكّرها بمصالحها، وبعشرة ملايين عامل هندي في دول الخليج، وبالصادرات النفطية إليها، وبتاريخ من العلاقات منذ الأزل (العرب أول من أطلق اسم الهند على أراضي شبه القارة الهندية)، ليقول لها إن لديك بدائل روسية برازيلية جنوب إفريقية، في إطار دول "البريكس"، وإن العرب يمكن أن يتعاونوا، وأن يستثمروا حتى في الصناعات العسكرية، وأن يذكّرهم بأن لدى الفلسطينيين المحاصرين، والعاطلين عن العمل، التقنيات الزراعية والفنية، التي يمكن أن تستغل، وأن تظل الهند نظيفة، وفي غنى عن "أفضال" هذه الدولة، التي وصفها غاندي ونهرو بأنها "جزء من الحركة الاستعمارية في العالم"؟! لا أحد، بالطبع، يجرؤ على مثل هذا التذكير، لسبب بسيطٍ، هو أن العرب بلا نسق وبلا مؤسسات عمل قومي، وبلا صبوة إلى تحقيق مكانةٍ دولية!
 الهنود يقولون إن المشروع الإسرائيلي الهندي المشترك، لإنتاج هذه الصواريخ المضادة للطائرات، وهي من نوع "سام إل. آر"، ستكون مخصصة لحماية الأجواء الهندية من الجهة المقابلة للصين. ونعلم أن هناك مشروعات تصنيع عسكري إسرائيلي صيني مشترك، يخصص إنتاجه للدفاع عن الأراضي الصينية من الجهة المقابلة للهند، والتقنية الإسرائيلية هي القاسم المشترك بين الجيشين العدويْن. وليست هذه المضاربة على الأميركيين والهنود والصينيين والروس، التي يضطلع بها مستوطنو بلادنا، من نتاج عبقرياتهم وعفونة فكرهم وظلاميته. إنها محصلة ما أنتجته منظومات التأهيل التقني للأجيال في الغرب والشرق من كادرات. فمن روسيا مثلاً، هاجر إلى الدولة العبرية مهندسون للصناعات العسكرية عديدون، ومنهم كثيرون منخرطون في مشروع إنتاج صواريخ "سام" المضادة للطائرات، وهكذا الحال لمن وفدوا إلى بلادنا من الغرب، هم ومناهج التعليم. كان بعضهم من اليهود وآخرون من منتحلي اليهودية. لكن براعة القائمين على المشروع الصهيوني ودهاءهم حققا لهم الحضور في كل سوق، وجعلا لهم في كل عرس قرصاً. هناك الإدارة، ولؤم الاتصالات والمثابرة عليها، والاهتمام بالمفيد لا بالفارغ، جمعاً للمعلومات وفهماً لأحوال الآخرين وثغراتهم وعوراتهم، في الاجتماع والسياسة والاقتصاد. وهناك السيطرة المدهشة على المتمولين والأثرياء، الذين يؤخذ منهم ويُحلبون، مثلما يأخذون ويربحون، على النقيض مما يجري مع معظم رجال الأعمال العرب، الذين يقتنصون كل شيء من أوطانهم، ويفاقمون اقتصاداتها ويصعّبون حياة شعوبهم. ذلك ناهيك عن قدرة هؤلاء المحتلين على توفير تدفقات المال، وفتح خطوط الاستثمار، وترويج البضاعة.

ويعجب واحدنا من أمثلةٍ صادمةٍ في غرابتها، إذ كيف استطاع هؤلاء إقناع الصين، مثلاً، في الثمانينيات، بأن تشتري حق إنتاج رشاش "عوزي"، وهي التي تسلمت من الاتحاد السوفياتي السابق، فور قيام نظامها الشيوعي، مئات تصاميم الصناعات المدنية والعسكرية، لكي تدخل على خطوط الإنتاج عندها، ومنها بندقية كلاشنكوف، أيقونة السلاح الخفيف الرشاش والأفضل في العالم. ربما كان الصينيون يريدون تسويق السلعة للأفارقة، الذين لا يتعاملون مع إسرائيل، لكنهم اكتشفوا أن البضاعة الإسرائيلية قد سبقت، ووصلت، عبر مسارب أخرى، وخاب المسعى.
ليس صاروخ "سام" وحده، الذي يُنتج بالاشتراك مع الهند. هناك صواريخ أرض ــ بحر، وبحر ــ بحر، وأنظمة مراقبة إلكترونية ومن الجو. وفي عام 2005، ابتاعت الهند من إسرائيل 50 طائرة مراقبة من دون طيار، بمبلغ 220 مليون دولار. بل باتت الهند أكبر زبون للصناعات العسكرية الإسرائيلية. وبالنسبة إلى الهند، هي ثاني أكبر شريك تعاون عسكري لإسرائيل بعد روسيا. 
 لقد بلغ حجم الشراكة الاقتصادية بين الهند وإسرائيل 9 مليارات دولار في عام 2010، منها نحو 5 مليارات ربحتها اسرائيل من توريد معداتٍ ومواد عسكرية. وزاد هذا الرقم بتقديرات تصل إلى مليارين إضافيين. وفي عام 2012، وقعت تل أبيب مع دلهي اتفاقية تعاون للأبحاث الأكاديمية، رُصد لها مبلغ 50 مليون دولار، ويتباحث الطرفان، الآن، حول اتفاقية موسعةٍ لإقامة منطقة تجارة حرة بينهما، يكون التركيز فيها على حقول تقنية المعلومات والتقنية الحيوية والزراعة. وأقيمت فعلاً خمس مناطق حرة كنماذج تطبيقية. ولم يتوقف الأمر عند الشراكة العسكرية، فقد تحصلت إسرائيل على قطع أراضٍ شاسعة في الهند، فزرعت الزيتون والنخيل والعنب المطابق لعنب الخليل الفلسطيني.  لكن ما يغيظ أن تربح اسرائيل صفقات أفريقية لترميم طائرات "الميغ" أو تحديثها، وهي التي عرفها العرب منذ 1955 وتربت وعاشت وماتت عليها ثلاثة أجيال من المهندسين، بينما لم تعرف إسرائيل هذه الطائرة إلا في عام 1966 عندما هرب بواحدة من "ميغ 21" طيار عراقي خائن. فقد استفادت إسرائيل من اتفاقات أوهام السلام مع الفلسطينيين والعرب، ومدت الجسور، وضيّع العرب بعد حرب 1973 فرصة الاستفادة من الإجماع الأفريقي على تأييدهم، وانفتاح بوابات الاقتصاد الأفريقي والجيوش الأفريقية أمامهم. وما زال العرب يهملون أميركا اللاتينية المناصرة لقضاياهم.
يبدو أن أمرنا خطير، وبسبب ذلك يقتلوننا، إذ من دون تدفقات استثمارية، أو بُنية اقتصادية، أو راحة بال، كان لدى الفلسطينيين ما يُخيف أصحاب "السام"، ويفرض على طائراتهم نوماً بالأجرة الباهظة في مطارٍ كوري. فماذا لو قامت دولة فلسطينية واستردت مهاجريها من أصحاب الأرض الحقيقيين، وتسلم أمرها مثابرون؟