حديث مع لقمان ديركي

حديث مع لقمان ديركي

12 اغسطس 2018

(ضياء العزاوي)

+ الخط -
اتصلتُ، قبل مدة قصيرة، بالصديق العتيق لقمان ديركي، المقيم حالياً في باريس. وكما تعلمون فإن باريس هي مربط خيلنا نحن العرب، ومع ذلك لجأ إليها لقمان ديركي (السوري الكردي)، ونحن، أصحابَ المربط، سكتنا عن هذا الأمر على مضض، آخذين بالاعتبار أن ابن حافظ الأسد لا يُفَرِّقُ، في التهجير، بين مسلم ونصراني، وعربي وكردي وشركسي وتركماني.. اتصلتُ لأسأله عن مادة رياضية عنوانُها "فريق الجيش ليش؟" كانت منشورة في العدد الأول من صحيفة الدومري التي أصدرها صديقُنا الفنان العالمي علي فرزات في سنة 2001، وكان لقمان واحداً من أعمدتها.
حكينا، خلال الاتصال، في أقلّ من دقيقة، عن المادة المذكورة، ثم سرحنا في بحر الذكريات وقتاً طويلاً.. إن والدة لقمان، لِمَنْ لا يعرف، خَلَّفَتْ عدداً كبيراً من البنات، في انتظار قدوم الولد، فلما "شَرَّفْ" لقمان إلى الحياة، احتلّ مركز الصدارة في الأسرة الديركية بأسرع مما كان يحلم أو يتخيل، ومن دون أن يبذل في سبيل ذلك أي جهد، وشب وترعرع، كما كنا نكتب في الاستمارات الأمنية حينما نتقدّم لوظيفة حكومية، وصار يطلع ويدخل، ويتصرّف مثل "هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، ودخل الجامعة، و(قرض) الشعر، وشارك في ملتقيات الجامعة مع أصدقائنا فؤاد محمد فؤاد، وعمر قدّور، وأحمد عمر، وحسين بن حمزة، وحقّق ضربة حظ مدهشةٍ، حينما تنبأ له صديقُنا الناقد جمال باروت، أبو حسن، بمستقبل باهر في مجال الشعر.. ولكن هذا كله، بالنسبة لنا، لقمان وأنا، ليس بيت القصيد، ففي تلك الأيام كنا نَرْكُنُ الشعرَ والقصة (وكل الحكي الفاضي) جانباً، ونبحث عن النكتة، والطرائف المضحكة، ونخترع حكاياتٍ لا أصل لها، ونسخر من أنفسنا أولاً، ومن الآخرين تالياً، وأحياناً نقلّد بعض الشخصيات العُصَابية، وننسج جملاً من عندنا ونُقَوِّلُهم إياها لكي يزدادوا طرافةً.. وكان لقمان (وما زال) يقلقل الضحكة، ويكركبها، ويرفقها بصوت شبيه بصوت إفراغ زيت الزيتون من القربة الجلدية، وأنا أضحك حتى تنطمر عيناي، ويَرْتَجُّ جسمي، مثل طريزينة (دراجة نارية ذات ثلاث عجلات) موشكة على التهوّر.
ذات مرة، دعاني لقمان لزيارته في منزل أهله بحي سيف الدولة في حلب، وكان، على الرغم من صغر سنه، يمتلك حق دعوة أصدقائه إلى البيت في أي وقت يشاء، نتيجة الحظوة التي كانت له عند أختنا أم لقمان. وفي لقائنا التالي في مقهى القصر، ونحن نحتسي القهوة الإسبريسو، أخبرني لقمان أن إحدى شقيقاته قالت له بعدما غادرتهم: هذا صديقك خطيب بدلة يضحك من كل قلبه.
حقيقة أنني لم أكن أعرف، يومئذ، بوجود أنواع أخرى من الضحك غير ضحكنا الذي كنا نؤدّيه (من كل قلبنا)، ولكنني اكتشفت، خلال السنوات الطوال التي عشناها بعد ذلك، أن هناك أنواعاً كثيرة للضحك، فهناك من يضحك من رُبْع قلبه، كما لو أنه يضحك على البنزين ويخشى من الصرف، ومَن يضحك من شدة البطر، من دون مناسبة، مثل أبناء المسؤولين الذين يقول واحدهم: كان في واحد.. فينفلتون بالضحك، قبل أن يعرفوا ما به ذلك الواحد.. وهناك المنافقون الذين يجالسون مسؤولاً ثقيل الدم، ومع ذلك يُفرطون من الضحك، حينما يبدأ المسؤول بالتنكيت، ويضع كبير المنافقين يده على بطنه، ويقول: يا أمي دخيلك، الله يعطينا خير هَالضحك. وهناك الضحك الذي وصفه المتنبي بقوله: وماذا بمصرَ من المُضحِكَات، ولكنه ضَحِـــــــــكٌ كالـبُـكَا.
ولعل أجمل تجليات المعنى الذي قصده المتنبّي قد جاء في سياق قصيدة نجيب سرور التي غنّاها الشيخ إمام في سنة 1984، وفيها أن البحر بيضحك، والمرأة تنزل، وتتدلع، وتحمل القُلَلْ. وفيها أن البحر (غضبان ما بيضحكش- أصل الحكاية ما تضحكش)، وفي أجمل أبيات القصيدة يقول: مساكين بنضحك من البلوة، زي الديوك والروح حلوة، سارقاها من السكين حموة، ولسه جوة القلب أمل.