حديث استراتيجي

29 سبتمبر 2019
+ الخط -
بدا حديث رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن ضم غور الأردن وشمال البحر الميت رسمياً إلى إسرائيل في حالة فوزه بالانتخابات وتشكيله الحكومة الجديدة، مختلفاً هذه المرة، ولا يمكن طبعاً إنكار البعد الانتخابي الأساسي له، لكن ثمة أبعاد سياسية أخرى تتعلق بالتأييد الحزبي والجماهيري الإسرائيلي الواسع لبقاء جيش الاحتلال في المنطقة بضم أو من دون ضمّ مع مغزى مهم، وحتى استراتيجي آخر يتمثل بخلاصات واستنتاجات لها علاقة بموت حلّ الدولتين وفكرة التسوية مع الفلسطينيين بشكل عام.

البعد الانتخابي كان مركزيا وأساسيا بالتأكيد، حيث سعى نتنياهو لجرف أصوات من اليمين المتطرف ومنع إهدارها لصالح أحزاب صغيرة أكثر تطرفاً، قد لا تتجاوز نسبة الحسم - كما حصل فعلاً مع حزب عوتسما يهوديت - ولتصب بدلاً من ذلك في مصلحة حزبه الليكود.

لا بد من الانتباه هنا إلى أن نتنياهو حاول فعلاً الإعلان عن الضمّ بشكل فوري لولا أنه جوبه بمعارضة قوية من الأجهزة الأمنية، ليس لقرار الضم بحد ذاته، لكن للإعلان الفوري عنه دون إجراء نقاشات ودراسات معمقة موسعة - في المؤسسات السياسية والأمنية المعنية – للفكرة كما تداعياتها السياسية- الأمنية على العلاقة مع السلطة والأردن، حتى مع أميركا، الاتحاد الأوروبي والمجتمع الدولي بشكل عام.

ما يؤكد البعد الانتخابي الجوهري للقرار أن نتنياهو نفسه عندما شعر أنه لم يؤد إلى تغيير موازين القوى الانتخابية لصالحه، حاول ذلك في اتجاه مختلف عبر السعي لتأجيل الانتخابات نفسها من خلال التفكير في الذهاب إلى عملية عسكرية ضد غزة، ولقي أيضاً معارضة حازمة من المستشار القضائي للحكومة وقادة الأجهزة الأمنية لجيش الاحتلال، ليس للفكرة بحد ذاتها، لكن لاشتراط المستشار بضرورة اتخاذ قرار من المجلس الوزاري الأمني المصغر بعد نقاشه بشكل معمق بما في ذلك الاستماع لتقديرات قادة الأجهزة الأمنية العسكرية، وهؤلاء تحفظوا لعدة أسباب منها أن العملية قد تتدهور إلى حرب تحتاج الدولة العبرية إلى مزيد من الوقت للاستعداد لها، بما في ذلك استدعاء الاحتياط من دون تجاهل التفكير في الانتهاء من السور التحت أرضي المحيط بغزة مع الفكرة المتغطرسة عن اختيار توقيت الحرب وعدم الانجرار أو الاكتفاء بردة الفعل على المقاومة الفلسطينية وعملياتها، مع أخذ الأولويات العسكرية بعين الاعتبار على الجبهات الأخرى دون الانشغال أو التركيز على جبهة غزة الانتخابية لنتنياهو.

أما سياسياً؛ فيعرف نتنياهو أن ثمة تأييدا حزبيا وجماهيريا واسعا لبقاء الاحتلال في منطقة غور الأردن بضم أو دون ضم، وهو كان واثقا من غياب اعتراضات جوهرية على قراره حتى لو تم التشكيك في البعد الانتخابي له.
سياسياً أيضاً؛ أعتقد أن نتنياهو سعى لفرض وقائع سياسية، وإضافة ثابت آخر إلى ثوابت الإجماع الصهيوني الثلاثة، أو ما تعرف باللاءات الثلاث لا لعودة اللاجئين لا لتقسيم القدس لا للانسحاب إلى حدود حزيران/ يونيو 1967، الآن يريد فرض اللاء الرابعة لا للانسحاب من غور الأردن وشمال البحر الميت.

سياسيا أيضاً؛ سعى نتنياهو للاستفادة من وجود دونالد ترامب في البيت الأبيض إلى أبعد مدى، هو سعى للحصول على دعم أميركي واضح صريح لضم غور الأردن وشمال البحر الميت، كما كان الحال في إعلان القدس عاصمة لإسرائيل، لكن الإدارة الأميركية المشغولة بجبهات وملفات أخرى اكتفت بالصمت وما كانت لتعرقل المشروع لو سار به نتنياهو فعلاً.

استراتيجياً لم يؤمن نتنياهو يوماً بحلّ الدولتين، ولا أي حل سياسي ثنائي آخر مع الفلسطينيين ساير أوباما شكلا لفترة، كما كان الحال مع إعلان بار إيلان – 2009 - لكنه سعى طوال الوقت لوضع العقبات أمام الجهود الأميركية والدولية – 2009 – 2016 – الآن يعتقد أنه نجح في دفن الحل نهائياً خاصة مع وصول ترامب للبيت الأبيض، لذلك سعى إلى فرض وقائع جديدة على الأرض وسلب ثلث أراضي الضفة الغربية والاحتياطي الجغرافي والخزان الغذائي للفلسطينيين، استناداً إلى القاعدة السابقة أي موت حلّ الدولتين، وعملية التسوية بشكل عام.

استراتيجياً أيضاً سعى نتنياهو دائماً للترويج، ثم تأكيد فكرة أن التطبيع والعلاقات الجيدة مع الدول العربية وحتى مع المجتمع الدولي لا تمر بالضرورة عبر العلاقة الجيدة أو التسوية مع الفلسطينيين، والآن يريد ترجمة هذه القاعدة على الأرض بتصرفات وخطوات أحادية لا تنعكس سلباً بتقديره على علاقات إسرائيل العربية والدولية.

أما فيما يتعلق بردود الفعل الفلسطينية العربية حتى الدولية فقد جاءت مقبولة إلى حد ما، مع ذلك يجب الانتباه إلى أنها لا تستطيع الضغط على إسرائيل للقبول بتسوية عادلة، وهي في أحسن الأحوال تسعى لمنعها من فرص وقائع جديدة على أنقاض التسوية المنهارة.

ورد الفعل الفلسطيني تحديداً جاء، كما جريمة الهدم في صور باهر تموز الماضي، لفظيا بلاغيا مع تهديدات نظرية - بوقف العمل بالاتفاقيات - لكن دون امتلاك خطة أو تصور ورؤية متكاملة لمواجهة تنصل إسرائيل من الاتفاقيات، ناهيك عن العمل الدائم لفرض وقائع على أنقاضها.

في كل الأحوال لم يستفد نتنياهو انتخابياً من إعلانه، هو خسر عملياً حتى لو تم تكليفه بتشكيل الحكومة فلن يستطيع النجاح والنجاة، حتى في حالة التوصل إلى اتفاق تناوب على رئاسة الحكومة مع حزب "كاحول لافان"، بينما بات رحيله ومغادرته الحياة السياسية مسألة وقت فقط، مع الانتباه إلى أن أي حكومة جديدة ستنشغل أساساً بمشاكل وملفات الداخل وتركة نتنياهو الثقيلة، ولن تكون التسوية على جدول أعمالها، ربما ستكون خطوات أحادية، لكن بالتأكيد لن تكون جارفة باتجاه الضم، وإنما باتجاه الانفصال عن الفلسطينيين، علماً أن الحفاظ على الواقع الحالي يمثل مصلحة إسرائيلية من وجهة نظر معظم أطراف الساحة السياسية والحزبية الإسرائيلية المنزاحة للتطرف والمتراوحة عملياً بين اليمين واليمين المتطرف، كما هو الحال منذ تأسيس أرئيل شارون لحزب كديما -2005 - بشعار فك الارتباط والانفصال وتموضعه في اليمين، وإبعاد الليكود نحو اليمين المتطرف، بينما يبدو كاحول لافان الآن وكأنه يحتل المساحة التي احتلها كديما قبل هيمنة نتنياهو على المشهد لعشر سنوات تقريباً.

المساهمون