حدود العملية التركية

12 أكتوبر 2019
الصورة
تشير مجريات المعارك إلى توغل تركي أكبر(نذير الخطيب/فرانس برس)
+ الخط -


على الرغم من ذهاب كل التحليلات السياسية والمواقف الدولية التي ظهرت بالتزامن مع انطلاق العملية التركية شرق نهر الفرات، والتي كانت تشير كلها إلى محدودية هذه العملية واقتصارها على المنطقة الواقعة بين مدينتي تل أبيض ورأس العين الحدوديتين بعمق لا يتجاوز العشرة كيلومترات وطول لا يتجاوز 120 كيلومتراً، بحسب الضوء الأخضر الأميركي المعطى، إلا أن مجريات المعارك حتى اللحظة تشير إلى توغّل الجيش التركي وفصائل "الجيش الوطني"، ضمن جيبٍ داخل الأراضي السورية بعمق تجاوز الـ27 كيلومتراً، بحسب آخر خريطة صدرت عن المصادر العسكرية التركية. هذا يعني أن أنقرة قد تجاوزت حدود التفاهم مع واشنطن فيما يخص عمق المنطقة الآمنة المزمع إنشاؤها، وأنها تحاول جسّ النبض الأميركي حول ذلك، وكذلك نبض الدول الغربية، خصوصاً أن معظمها اتخذ مواقف مناهضة للعملية.

كما أن الولايات المتحدة، وعلى الرغم من إعطائها ضوءاً أخضر للعملية التركية، إلا أن المواقف منها منقسمة ضمن مراكز صنع القرار في واشنطن، بين مؤيد ومعارض. كما صدرت تصريحات أميركية تؤكد عدم تخلي الولايات المتحدة عن "قوات سورية الديمقراطية"، وتحذّر من تجاوز أنقرة للتفاهمات. وبالتالي، فإن أي تجاوز للخطوط التي رُسمت من قبل الغرب لحدود العملية التركية من دون رد فعل غربي عنيف قد يدفع تركيا إلى المضي قدماً في عمليتها وفق ما خططت له، وليس وفق التفاهم مع الولايات المتحدة، أي تنفيذ عملية "تل أبيض، رأس العين" بعمق يصل إلى 30 كيلومتراً، بحيث تكون حدوده الطريق الدولية الواصلة بين حلب والحسكة، من الجنوب، واعتبار هذه العملية مرحلةً أولى ضمن عمليتها الأوسع على طول الحدود السورية - التركية في منطقة شرق الفرات.

وتبدو تركيا جادة، إلى حدٍّ بعيد، في تنفيذ عمليتها شرق الفرات، فاتّبعت سياسة الوصول إلى الحد الأدنى من التفاهمات مع الدول المتدخّلة في الشأن السوري، بهدف وضع موطئ قدم لها في المنطقة، تفرضه كأمرٍ واقع، فيما تعمل على إقناع الأطراف الدولية بمرحلة أخرى من عمليتها، قد تكون حجتها فيها أكثر إقناعاً، لأن المنطقة المقبلة ضمن الخطة التالية لها تضم أراضي فيها قبر سليمان شاه التي تعد أرضاً تركية ضمن الأراضي السورية، الأمر الذي قد يقوي حجة أنقرة بتوسيع عمليتها، ولو ضمن أخرى محدودة. إلا أن نجاح أنقرة في استكمال عمليتها وفق ما خططت له، يبقى مرتبطاً بعاملين أساسيين؛ الأول التفاهم مع الولايات المتحدة والغرب، والثاني النجاح في إدارة المنطقة التي تخطط للسيطرة عليها في منطقتي رأس العين وتل أبيض.

المساهمون