حدود الدور المصري في ليبيا

04 يوليو 2020
الصورة

منذ يوليو/ تموز 2013، والنظام الحاكم في مصر يدين بكثير من الفضل في وصوله إلى الحكم واستمراريته لما يسمّى محور الثورات المضادة في المنطقة، وتحديدا الإمارات والسعودية، ومن خلفهما إسرائيل. وهي دول عارضت بشدة ثورات الربيع العربي، واعتبرتها تهديدا وجوديا لها ولمشاريعها السياسية. لذا مدّت يد الدعم المالي والسياسي والخارجي لمحاولات الانقلاب على الثورات العربية، وفي مقدّمتها الثورة المصرية، والتي مثل الانقلاب العسكري عليها قمة نجاح هذا المحور. لذا سارعت دوله إلى التبرع بعشرات المليارات من الدولارات دعما للانقلاب فور وقوعه، بالإضافة إلى الدعم الإعلامي والخارجي الذي لا يتوقف. 

ويمثل خليفة حفتر، ومشروعه للانقلاب على ثورة فبراير 2011 في ليبيا ومؤسساتها المختلفة، بما فيها مجلس النواب المجتمع في طبرق، محاولة الأطراف الإقليمية ذاتها تطبيق نموذج السيسي في ليبيا. لذا عندما طالب الرئيس المصري، عبد الفتاح السياسي، الجيش المصري، في 20 الشهر الماضي (يونيو/ حزيران)، بالاستعداد للتدخل عسكريا في ليبيان كان من الصعب تصور أن الرجل يملك المبادرة أو يريد لبلاده أن تلعب دورا قياديا هناك، فحقيقة الأمر أن مصر طرف تابع لمحور الثورات المضادة، تحتاجها ماديا وإعلاميا ودوليا. 

لا تنظر القاهرة إلى الصراع الليبي من منظور مصلحي عقلاني، وإنما من منظور إيديولوجي متشدد

تبعية النظام المصري لمحور الثورات المضادة تفسر كثير من أخطائه في ليبيا، وفي مقدمتها دعم خليفة حفتر وانقلابه الفاشل منذ 2014، ودعم محاولته الفاشلة للسيطرة على طرابلس منذ إبريل/ نيسان 2019 وإطاحة حكومة الوفاق المعترف بها دوليا، والتي سبق للسيسي استضافة رئيس حكومتها، فائز السراج في القاهرة. كما يفسر أيضا تجاهل القاهرة تحالف حفتر مع بقايا نظام القذافي وبعض الجماعات السلفية، ودور حكومة الوفاق، والقوات المتحالفة معها، بدعم جوي أميركي، في هزيمة تنظيم مسلحي الدولة الإسلامية (داعش) في سرت قبل أن تستولى قوات حفتر عليها. وتتجاهل القاهرة أيضا استعانة حفتر بمليشيات أفريقية وأجنبية، وما تقوم به قواته من انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان، وكلها عوامل من شأنها أن تعمق عدم الاستقرار في ليبيا، وتنشر الراديكالية والبيئة المناسبة لانتشار الجماعات العنيفة والإرهابية. 

تتجاهل القاهرة كل ما سبق، لأنها لا تنظر إلى الصراع الليبي من منظور مصلحي عقلاني، وإنما من منظور إيديولوجي متشدد متسق مع معتقدات محور الثورات المضادة الداعم للاستبداد، والذي يرى بناء النظم الاستبدادية والعسكرية ضرورةً لمواجهة تمدّد الثورات ومشاريع التغيير ومحاولات التحول الديمقراطي، وما يمكن أن ينتج عنها من صعود لجماعات وأفكار يراها النظام الحاكم في مصر ونظم الثورة المضادّة مقوّضة لاستقرارها. 

إطالة أمد الحرب في ليبيا وعجز خليفة حفتر وأنصاره عن حسم المعركة سريعا فتح الباب للتدخل المباشر أمام مزيد من القوى الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها روسيا وتركيا. تدخلت روسيا لدعم حفتر سياسيا وعسكريا، خصوصا من خلال مرتزقة إحدى شركة الأمن الخاصة، فاغنر، المقرّبة من الحكومة الروسية. وتدخلت تركيا لدعم حكومة الوفاق عسكريا، بعد توقيع اتفاق عسكري بين البلدين، سعيا من تركيا إلى حماية حكومة الوفاق من السقوط، ودفاعا عن مصالحها في غاز البحر المتوسط في مواجهة تحالفٍ يضم مصر واليونان وإسرائيل، يسعى إلى بناء تكتل إقليمي، لاستخراج غاز المتوسط مستثنيا تركيا. 

تبعية النظام المصري لمحور الثورات المضادة تفسر كثيرا من أخطائه في ليبيا، وفي مقدمتها دعم خليفة حفتر وانقلابه الفاشل

وقد أضاف تدخل روسيا وتركيا مستوى جديدا من التعقيد للسياسة المصرية، فالدعم التركي لحكومة الوفاق أفشل مساعي حفتر للسيطرة على طرابلس، وحرّر الغرب الليبي من قواته، كما ساهم الدعم التركي والمواجهات المسلحة في تأجيل الخلافات بين الجماعات المسلحة النافذة في الغرب الليبي، وربما في زيادة تماسكها والتفافها حول حكومة الوفاق. 

أما التدخل الروسي الداعم لحفتر فقد تسبب لمصر في مشكلات عديدة، وفي مقدمتها إثارة مخاوف الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي (الناتو) من تمدّد النفوذ الروسي في ليبيا بعد سورية، ما زاد الانقسام داخل الحلف والدول الأوروبية بخصوص السياسة التي يجب تبنيها نحو ليبيا، فالحد من التدخل والدور الروسي بات أولوية لتلك الدول، ما قد يدفعها مستقبليا إلى الحد من طموح محور الثورات المضادة، بحثا عن حل سياسي يوقف التمدّد الروسي.

وقد أعلنت موسكو وأنقرة، في يناير/ كانون الثاني الماضي، اتفاقا لوقف إطلاق النار في ليبيا، في دلالة واضحة على تعاظم دورهما في الصراع الليبي. وفي الأسابيع الأخيرة، حذرت الولايات المتحدة من إرسال روسيا طائرات مقاتلة إلى ليبيا، كما نشرت وكالة رويترز تصريحاتٍ لمسؤولين أتراك لم تسمهم عن نقاش دار بين أنقرة وطرابلس عن السماح للقوات التركية باستخدام قواعد عسكرية في الغرب الليبي. وقبل أيام قليلة، دخل مرتزقة فاغنر أكبر حقول النفط الليبية، في تهديد واضح ليس فقط لفرص حكومة الوفاق في استعادة الهلال النفطي، ولكن أيضا لمصالح شركات النفط الأوروبية العاملة في تلك الحقول. وجدير بالذكر أن قوات حكومة الوفاق لم تتمكّن من استعادة السيطرة على بعض مدن الغرب الليبي، إلا بعد انسحاب المرتزقة الروسي منها. وكلها مؤشّراتٌ تدلُّ على تزايد الدورين، الروسي والتركي، في ليبيا، وأهمية التنسيق بينهما، وزيادة المخاوف الغربية من ذلك الدور.

قلت أهمية الدور المصري بعد تدخل قوى دولية وإقليمية أكبر في الصراع، وفي مقدمتها روسيا وتركيا.

لذا عندما طالب السيسي قواته بالاستعداد للتدخل العسكري في ليبيا، كان من الصعب أخذ تهديده بجدّية كبيرة، فالدور المصري تابع لمحور الثورات المضادّة، كما فشل في تحقيق نصر حاسم على مدى أكثر من خمس سنوات، وأضرّ كثيرا بمصالح مصر نفسها، بسبب تحجّره الإيديولوجي، كما قلت أهميته بعد تدخل قوى دولية وإقليمية أكبر في الصراع، وفي مقدمتها روسيا وتركيا. 

في ظل تلك العوامل، يبدو التهديد المصري محاولةً لإثبات الوجود، أو رسالة موجهة إلى الداخل، في ظل الأزمات المتزايدة التي يعانيها النظام المصري داخليا، وفي مقدمتها أزمة المياه وسد النهضة وكورونا والديون والإرهاب في سيناء وخسائر حفتر التي غابت عن لقاء السيسي مع الجنود والضباط قرب الحدود مع ليبيا. وهي أزماتٌ تعقد من الموقف المصري، وتضعف من تهديداته.

ويمكن القول إن الأزمة الليبية وصلت إلى طريق مسدود، في انتظار أن تنجز حلحلته قوى أكثر تأثيرا، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الغائبة عن المشهد في ظل إدارة ترامب الفاشلة سياسيا والمتراجعة إقليميا. ولو تم انتخاب جوزيف بايدن ربما يضغط للوصول إلى حل سياسي يضمن إخراج القوى الأجنبية من ليبيا، وهي مهمةٌ لن تكون سهلةً. وهو سيناريو لن يصب في صالح مصر ودول الثورة المضادة التي تريد بناء ديكتاتورية عسكرية تابعة لها في ليبيا. وفي حالة استمرار ترامب في الحكم، وفشل حلف الناتو المتوقع في الضغط على أعضائه لتوحيد صفوفهم، قد نشهد إطالة للأزمة الليبية وتعميقا لها، وتخندق كل طرف في المناطق التي يسيطر عليها، وإعاقة تمدّد أي طرف عسكريا مع تقويض فرص الحل السياسي. وهو سيناريو لن يصبّ أيضا في مصلحة مصر التي تمتلك حدودا طويلة مع ليبيا، لأنه سيؤدّي إلى استمرار حالة الفراغ الأمني والسياسي، وما يمكن أن ينتج عنها من أزماتٍ وتهديداتٍ أمنية. 

الأزمة الليبية وصلت إلى طريق مسدود، في انتظار أن تنجز حلحلته قوى أكثر تأثيرا، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الغائبة عن المشهد

وبهذا، يبدو الدور المصري في ليبيا محدودا تابعا يعمّق الأزمة، ولا يخدم مصالحه، ولا يمتلك خياراتٍ جيدة، بسبب تحجّره الإيديولوجي، والذي سيدفعه دوما إلى الوقوف أمام فرص الوصول إلى حل سياسي عادل وشامل للأزمة الليبية، ولو على حساب مصالح مصر الحقيقية ومتطلبات أمنها وأمن ليبيا والمنطقة. فالمشكلة تكمن في طبيعة نظام "3 يوليو" نفسه، ونظرته إلى ذاته ودوره الإقليمي وسياسة مصر الخارجية ومصالحها.