حجز الأطفال... أسوأ ما يواجه اللاجئين في أوروبا

حجز الأطفال... أسوأ ما يواجه اللاجئين في أوروبا

24 نوفمبر 2017
الصورة
قد تجد نفسها مع أم بديلة (لويزا غولياماكي/فرانس برس)
+ الخط -
اختلاف الثقافات بين الشعوب قد يكون بسيطاً في كثير من الأحيان لكنّه ليس كذلك إذا كنت لاجئاً مع أطفالك في أوروبا، فقد تمنع عنك الدولة حق الحضانة

بطرح أقرب إلى القصصي والخيالي، يقدم الصحافي حسن علي (اسم مستعار)، مجموعة من الأمثلة حول أسر سورية فقدت حضانة أبنائها، بعد وصولها إلى دول أوروبية، خصوصاً ألمانيا. يشير إلى مثال طبيب سوري من محافظة درعا، خسر أولاده جميعهم بعد قوله في التحقيق معه: "طريقة تربيتنا تختلف عن طرقكم ولا ضير من تأنيب الولد أو ضربه إن تطلب الأمر، كي لا يعاود الخطأ"، ما اعتبره الألمان اعترافاً من الطبيب السوري بالعنف في تربية أولاده، فأبعدوه إلى مدينة أخرى وأخذوهم جميعاً منه. وقد وزعوهم، بحسب الأعمار، على حضانات قسرية وأسر ألمانية.

يتابع علي لـ"العربي الجديد"، أنّ أحد زملائه الصحافيين فقد حضانة بناته الخمس، لأنّ طفلته الرضيعة سقطت من يد أمها على الدرج، ما جرى تفسيره على أنّه إهمال، وأنّ هذه الأسرة غير جديرة بحضانة البنات. يضيف: "وزعت البنات على أسر أوروبية، ومنهن من نسين اللغة العربية. ولا يسمح لغير الأب برؤية بعضهن لساعتين كلّ أسبوع". يعقب علي: "يعطيك الأوروبيون راتباً وبيتاً، لكنّهم يفقدونك السلطة على أولادك، وربما جهلنا بالقوانين أولاً أوقع كثيراً من اللاجئين السوريين والعرب والمهاجرين ومنهم الأتراك، بأخطاء من وجهة النظر والقوانين الأوروبية، كان ثمنها أحياناً خسارة الأولاد إلى الأبد".



إجراء قانوني
يعتبر نقل الوصاية على القاصرين في دول الاتحاد الأوروبي، خصوصاً ألمانيا، من أسرهم إلى مراكز رعاية الشباب، إجراء قانونياً يتخذه المشرع في الحالات القصوى، لكنّه بات يطبق خلال الأعوام الأخيرة، بعد فتح ألمانيا حدودها للاجئين السوريين وغيرهم من دول الربيع العربي، على الحالات القصوى وغير القصوى، كما يؤكد كثيرون لـ"العربي الجديد".

تروي اللاجئة السورية مها، المقيمة في مدينة هانوفر الألمانية، قصة الطفل الذي سحبت السلطات الألمانية حضانته من أهله، لأنّ أباه ضربه في المطعم: "هي قصة شهيرة انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي ونشر نشطاء سوريون بألمانيا مقاطع فيديو حولها، كي يحتاط السوريون واللاجئون عموماً، ويكونوا على دراية بالقوانين الألمانية، خصوصاً قانون حفظ حقوق الطفل ورعايته". تضيف لـ"العربي الجديد": "أتعامل بمنتهى الحرص مع ابني وابنتي، خصوصاً في الشارع وفي أيّ مكان يحضر فيه الألمان، لأنّ القانون هنا ضدنا وحتى ضد أولادنا، فهم بحجة الاهتمام بالوضع النفسي للأطفال وحسن تربيتهم، يأخذون أولادنا منا ويعطونهم إلى أسر ألمانية وأحياناً مهاجرة. تأكدت أنّ فتح ألمانيا باب الهجرة واللجوء، هو من أجل الأولاد لأنّها بلد عجوز ونسبة المعمرين فيها كبيرة، هم يقولون أهلاً بكم في ألمانيا، لكنّ الحقيقة هي: أهلاً بأولادكم".

تشير مها إلى أنّ الأب يخسر المعونة والبيت إن سحبت حضانة الأولاد، وهذا يدل على أنّ المستهدف هم الأطفال وليست الأسر السورية "أعرف حالة غريبة لسوري انفصل عن زوجته بعد خلاف، فجرى اتهامهما بعدم الكفاءة لتربية الأولاد، فجرى أخذهم إلى الحضانة القسرية وسُحب البيت من الأهل وأوقف راتب المعونة".

وحول المسببات أو الذرائع التي يجري الاستناد إليها لأخذ الأولاد، تقول مها إنّ العنف في التربية هو أهم سبب يعتمدون عليه، ونحن كشرقيين قد ننهر الولد أو نضربه أحياناً لخطأ جسيم ارتكبه، لكنّهم يعتمدون تهمة الإهمال التي يمكن اعتبارها مطاطة، وعلى أساسها يمكن سحب الأطفال من رعاية أسرهم".

حضانة المرأة
يقول فجر الأحمد (اسم مستعار)، إنّ انفصال الأسر السورية بعد الوصول إلى أوروبا، وتبادل اتهامات الزوجين، من أهم وأكثر أسباب خسارة الأسر لأولادها ونقلهم إلى الحضانة القسرية. يشير الحقوقي أحمد إلى أنّ نسب الطلاق "مخيفة" بعد وصول الأسر إلى أوروبا "الحرية للمرأة والانفتاح يجعل معظم الزوجات لا يقبلن بطريقة الحياة والتعامل السابقة، فيطلبن الطلاق، خصوصاً أنّ القوانين إلى جانبهن".

وحول ما يشاع أنّ بعض الدول الأوروبية تشجع على طلاق أسر اللاجئين، يؤكد الحقوقي السوري من برلين: "لا تشجيع بالمعنى المباشر، لكن يجري سؤال الزوجة خلال ملء استمارة اللجوء عن تعامل زوجها معها، هل يعنّفها أو يضربها أو يسيء إليها، ولأنّ القانون يمنح الحضانة للمرأة ويقف إلى جانبها في حالات التعنيف، يعتبر كثيرون ذلك تشجيعاً على الطلاق".

يضيف: "في الغالب يجري سحب الأولاد أو بعضهم في حالات الانفصال لصالح الأسر الأوروبية، كحضانة قسرية، وذلك بسبب الاتهامات وتقديم أدلة وأمثلة من كلا الزوجين المنفصلين، أنّهما يضربان الأطفال ويسيئان معاملتهم". يختم في حديثه إلى "العربي الجديد"، أنّ القانون الألماني لمصلحة الشؤون الاجتماعية، يسمح بنقل حضانة القاصرين إلى مراكز رعاية الشباب في حالة إثبات وجود خطر أو إهمال في حقهم، وذلك بموافقة الأهل أو رغماً عنهم، بحسب الحالة، وإن كان الابن قاصراً أم لا.

نظرة مختلفة
يعتبر التربوي السوري خير محمد أنّ طرح مسألة استهداف ألمانيا أو غيرها من دول الاتحاد الأوروبي أطفال اللاجئين والوافدين، فيها تجنٍّ وتعميم، مشيراً إلى أنّ تلك الدول تولي أهيمة خاصة للأطفال، وحينما ترى أو تسمع عن سوء تعامل معهم، تتدخل عبر طرق عدة، منها أخذهم إلى أسر وحضانات قسرية، إن كانت الأسباب كافية، كالضرب والعنف وعدم الاهتمام، أو الخلافات المستمرة بين الزوجين والتي ستؤثر على سلوك الأطفال.

يضيف محمد لـ"العربي الجديد": "ما شهدت عليه خلال السنوات الثلاث التي عشتها في قرية ألمانية محاذية للحدود الهولندية، هو تعامل الأهل بمنتهى الذوق والاحترام مع أطفالهم. حتى الاهتمام يتجلى قبل مجيء المولود، فالثقافة حول تربيته وطريقة التعامل معه صحياً ونفسياً لها أولوية منذ أشهر الحمل الأولى".

ويختم: "من خلال إقامتي في ألمانيا لمدة تزيد على ثلاث سنوات، اكتشفت أنّ الحكومة الألمانية من خلال مؤسساتها ذات الصلة تقوم بدور إيجابي تجاه الأسرة عموماً والأطفال خصوصاً، وهي تعمل على توعية الأهل في ما يخص طريقة تربيتهم وتعاملهم مع أطفالهم في إطار ضمان حقوق الطفل. ولم أعرف عن أيّ حالة سحب فيها طفل من ذويه تعسفاً، علماً أنّ الأهالي بشكل عام يدركون خطورة تجاوز القوانين في هذا الموضوع ويعملون بقدر الإمكان على الالتزام بها أو إخفاء التجاوزات إن حصلت".

الأطفال الأتراك
سحب الأطفال الأتراك من أسرهم أخيراً شهد ضجة في تركيا بعد نشر وكالة الأناضول تقريراً يؤكد أنّ معظم الأطفال الذين تحولوا العام الماضي إلى الحضانة القسرية في ألمانيا هم أطفال أتراك. وأوردت الوكالة التركية أنّ دائرة الشباب الألمانية -وهي الهيئة المعنية بتقديم خدمات للأطفال المحتاجين للحماية - سحبت العام الماضي أكثر من 84 ألف طفل من أُسرهم لأسباب مختلفة، ووضعتهم تحت حماية الدولة، في إطار ما يُسمَّى بالحضانة القسرية.

وبحسب معطيات أعلنتها دائرة الإحصاء الفيدرالية الألمانية أخيراً، فإنّ إجمالي عدد الأطفال الذين جرى سحبهم من أسرهم العام الماضي هو 84 ألفاً و230 طفلاً، من بينهم 23 ألفاً و36 ألمانياً، و60 ألفاً و864 أجنبياً.



يقول كامل آطلاي، رئيس جمعية "أوموط يلديزي" الناشطة في هذا المجال بألمانيا، إنّ "الأرقام المعلنة دليل على سياسة الاستيعاب التي تُمارسها الحكومة الألمانية". يضيف آطلاي الناشط في تنظيم الجهود من أجل عودة الأطفال من حماية الدولة إلى أسرهم: "يشكل ذوو الأصول الأجنبية في ألمانيا نحو 10 في المائة من السكان، لكنّ الأرقام توضح أنّ الأطفال الأجانب المبعدين عن أسرهم، يشكلون 3 أضعاف نظرائهم الألمان". يعتقد آطلاي أنّ الأطفال الأتراك يمثلون غالبية الأطفال الأجانب المبعدين عن أسرهم، خصوصاً مع إغفال جنسية الأطفال المبعدين غير الألمان في السجلات، ويكتفى بعبارة "غير ألمانيين" للدلالة على الأهل. يعلق: "لهذا السبب لا يجري إخبار القنصليات التركية بالأطفال الأتراك الموجودين تحت الحماية، وهذا يشير إلى احتمال أنّ عدد الأطفال الأتراك الخاضعين للحماية أكثر من المعلن عنه بكثير، ولا نعلم عنهم شيئاً".

يقول المحلل التركي يوسف كاتب أوغلو: "أعتقد أنّ سياسة ألمانيا التي تستهدف تركيا وتشوه سمعتها تضم أيضاً سحب الأطفال الأتراك من أسرهم بحجة العنف وسوء التربية أو التعامل، وعدم اعتبار خصوصية كلّ بلد بطريقة التربية المستندة إلى العادات والمعتقدات". يضيف كاتب أوغلو لـ"العربي الجديد": "إن توافقنا على أنّ أيّ إنسان غير ألماني عليه أن يلتزم قوانين البلد الذي اختار العيش فيه أو اللجوء إليه، فعلى ألمانيا أن تأخذ الاختلاف بعين الاعتبار، وفي أسوأ الأحوال وإن ثبت تعنيف أسرة تركية أو عربية لأطفالها، فليس الحلّ سحب الأطفال مباشرة وإعطاءهم إلى أسر ألمانية كأنّ الأمر منتظر". يتابع: "تريد ألمانيا أن تطعّم شيخوختها بدماء اللاجئين والمقيمين الشباب غير الألمان، وإلّا لماذا لا تقيم ألمانيا دورات تأهيل لأسر اللاجئين تضعهم خلالها بصورة القوانين؟ ولماذا يسحب الأولاد إلى أسر ألمانية؟ لماذا لا يعطى الأطفال إلى أسر تركية مثلاً؟".

المساهمون