حجب المواقع في الجزائر... تضييق بأوجه متعددة

05 يوليو 2019
الصورة
اعتصام لصحافيين جزائريين للمطالبة بحرية التعبير (رياض كرامدي/فرانس برس)
عادت السلطات الجزائرية إلى تنفيذ عقوبات تقنية ضد مواقع إخبارية يتصادم خطّها التحريري مع الخيارات السياسية للسلطة. إذ قامت، في الفترة الأخيرة، بحجب عددٍ من المواقع الإخبارية، ما دفع بالصحافيين والناشطين المدافعين عن حرية الصحافة والتعبير إلى إبداء القلق إزاء هذا "التضييق التسلّطي".

فقبل أسبوع، قرّرت السلطات الجزائرية حجب ستة مواقع إخبارية بينها "كل شيء عن الجزائر" و"الجزائر 1"، على خلفية نشر مقالات وتقارير تنتقد قائد الجيش والمؤسسة العسكرية. ولم تكن هذه المرة الأولى التي يتم فيها حجب هذه المواقع، تحديداً في الفترة الأخيرة من حكم الرئيس، عبد العزيز بوتفليقة، وعشية التظاهرات الأولى للحراك الشعبي في 22 فبراير/شباط الماضي. وإذا كانت المواقع الإخبارية، كما مجمل المؤسسات الإعلامية الأخرى كالقنوات والصحف، قد عرفت هامشاً كبيراً من الحرية خلال الأسابيع التي تلت ذلك وبعد استقالة بوتفليقة في الثاني من إبريل/ نيسان الماضي، فإنّ عودة التضييق على الإعلام والإلكتروني منه خصوصاً، بدت لافتة في الفترة الأخيرة.

ويُفهم من لجوء السلطات الجزائرية إلى تركيز التضييق بشكل خاص على المواقع الإلكترونية، انزعاجها من تزايد تأثير هذه المواقع على الرأي العام، خصوصاً على صعيد سرعة نقل ونشر الأخبار والصور والفيديوهات، والنقل المباشر للمسيرات والتظاهرات الشعبية المناوئة للسلطة، والتفاعل السريع مع ما تنشره هذه المواقع، وكذا سرعة وصولها إلى المعلومات والوثائق، رغم حداثة تجربة المواقع الإخبارية في الجزائر.

ويعتقد الصحافي العامل في موقع "مراسلون" والناشط الحقوقي، سعيد بودور، أنّ هناك أربعة مواقع بالتحديد تعرضت للحجب والتضييق، يأتي على رأسها موقع "كل شيء عن الجزائر" (هذه ليس المرة الأولى)، ثم مواقع ناشئة تتعرض للحجب عادة بسبب سرعة التعاطي مع الخبر ومع الحراك الشعبي ونشر تقارير لا تروق بالضرورة للسلطة. خصوصاً ما يتعلق بالاعتقالات ومتابعة أخبار الناشطين، في وقتٍ تتجاهل القنوات الفضائية الحراك الشعبي وما يتبعه من قمع واعتقالات وتصريحات معارضي السلطة في الأحزاب والمجتمع المدني.

ويؤكّد بودور في تصريح لـ"العربي الجديد" أنّ أبرز دوافع السلطة لغلق وحجب المواقع الإخبارية تتعلّق بنزوع هذه المواقع إلى استعمال التقنيات الجديدة للتواصل في العملية الإعلامية، مثل تقنية البث المباشر وتركيز المواقع الإلكترونية على مواقع التواصل الاجتماعي والأخبار المبسطة تقنياً، والتي تدعم في مجملها الحراك وتضعف موقف السلطة الفعلية وتزيدها ضغطاً إعلامياً وشعبياً وسياسيًا وحتى دولياً، وكلها أسباب تجعل من هذه الوسائل الإعلامية وسائل غير مرغوب فيها من قبل السلطة".

لكن التضييق على الصحافة والمواقع الإخبارية في الجزائر لا يتوقف عند حدّ الحجب، بل يتعداه إلى منع إنجاز هيئة تمثيلية. وفي هذا السياق، يشير بودور إلى تضييق آخر تتعرض له المواقع والصحافة الإلكترونية بشكل عام، إذ تعترض السلطات على محاولات الناشرين ومؤسسي هذه المواقع إنشاء نقابة مستقلة للصحافة الإلكترونية. ويقول: "بسبب التضييق، لم نتمكن لحد الساعة من عقد الجمعية التأسيسية لنقابتنا "نقابة ناشري المواقع الإلكترونية"، حيث ترفض السلطات الترخيص لنا بذلك".

لكن "نقابة ناشري الصحافة الإلكترونية" التي عقدت اجتماعات تأسيسية في وقت سابق، تحاول تجاوز العوائق التي تضعها السلطة في طريقها، وتقدم نفسها كهيئة ضد التضييق. وأعربت في بيان، الأربعاء الماضي، عن استنكارها لهذا التضييق، في ظلّ حراك شعبي يفترض أن يسهم في فكّ القيود وتحرير المبادرة الإعلامية. وأكدت في البيان أنّ "ستة مواقع إلكترونية حجبت منذ أسبوع. هذه الوضعية غير مقبولة. في اجتماع يونيو/حزيران الماضي، تطرقت اللجنة المكلفة بتحضير اللجنة العامة لنقابة ناشري الصحافة الإلكترونية إلى التضييق الممارس على هذه المواقع. وخلال مداخلته، قال ممثل موقع "كل شيء عن الجزائر" إنّه "ورغم كل ما يحدث، استمرت آلة القمع من خلال حجب موقع "كل شيء عن الجزائر"، والغريب في الأمر أن العملية تتم من دون تقديم أي مبرر من قبل الجهات الوصية".

وأكدت نقابة ناشري الصحافة الإلكترونية التي تضم مديري ومؤسسي المواقع الإخبارية، أنها ملتزمة بمعركة حرية الصحافة في الجزائر. وعبّرت عن قلقها بشأن ما وصفته بـ"عودة ممارسات العصابة السابقة" التي طالب الحراك الشعبي برحيلها من خلال قمع المواقع الإلكترونية. كما طالبت برفع الحصار عن الصحافة بشكل عام، وإعادة الاعتبار لهذه المهنة والدفاع عن الصحافي وحمايته، وعن حق المواطن في المعلومة الذي لا يتجسد إلا من خلال منح الحرية الكاملة للصحافي.

وأشارت النقابة إلى أنّه بخلاف وعود سابقة تلقّتها من قبل الجهات الوصية من طرف الحكومة، والتي وعدت بالنظر في قانون ناشري الصحافة الإلكترونية خصوصاً والصحافة عموماً، وكذا الجمعيات وحتى النقابات، والخوض في المشاكل المهنية المتعلقة بموضوع الصحافة الإلكترونية من أجل مستقبل الوطن والجزائريين، "سُجّل للأسف تراجع عن هذه الوعود لم يفهم من طرف آلة السلطة التي ما زالت تسير ضد رغبة المواطنين والحراك"، مضيفةً أنه "على أرض الواقع لمسنا تراجعاً في الوضعية، فعرفت الساحة اعتقالات بالجملة في حق الصحافيين على صلة بممارسة عملهم وأثناء تغطيتهم خلال مسيرات الثلاثاء والجمعة".

وإضافةً إلى أسلوب الحجب أو اعتقال الصحافيين تحت مبررات متعددة ومع المواقع من إنشاء هيئة تمثيلية، تلجأ السلطات إلى تضييق بشكل مغاير، إذ تحاول منع وصول وتدفق الإشهار (الإعلانات) العمومي من المؤسسات الحكومية والخدمية كشركات الاتصالات وغيرها على هذه المواقع، لتجفيف منابع تمويلها، ودفعها إلى تغيير خطها التحريري.