حتى الرمق الأخير

17 سبتمبر 2018
+ الخط -
لست ثائراً حتى الرمق الأخير، ولا يعنيني كثيراً أن توضع صورتي يوماً على جداريات الثوار أو في كتب ذكريات الثورة اللاحقة كثائر، لست أرى في الثورة انتماء أو بوصلة حق، ولست أرى فيها انحيازاً أقدر على مجاراته، أو وطناً يستلزم مني أن أضحي في سبيله أو أن أحميه ما استطعت.

ليست الثورة ما صرخت من أجله، وليست ما هُجرت من أحب المدائن إلى قلبي من أجله، وليست ما أنا قادرٌ على أن أموت من أجله.

لا أريدها أن تنطفئ كشعلة تخيف الطغاة وتبدد شيئاً من ظلامهم، ولا أريدها أن تتوقف كعصا نضرب بها الباطل ووجوه الظالمين أينما كانوا، ولا أريدها أن تأفل كذكرى تستمر في وجداننا لكيلا ننسى حجم الدماء التي بُذلت في طريق ما كانت من أجله هذه الثورة.

لا أستطيع أن أقبل أن تصبح الثورة غاية ووجوداً لنا، وأن نجعلها غلافاً لأهدافنا فلا نرى سواها، وأن تكون حماساً طائشاً يجعل من كل ثائرٍ بوصلة لنفسه، ووهماً متعالياً على الآخرين بتضحياته ونزواته ومثالياته الطوباوية الحالمة الخارجة عن حدود الواقع والمألوف.


أريد أن أكون حتى الرمق الأخير خلف أهدافنا وأحلامنا التي أخرجتنا من سباتنا الثقيل، أن أضحي في سبيل الحرية وحدها، أن أنشد العدالة حتى آخر يوم في حياتي، وأن أكافح من أجل كرامة الإنسان ما استطعت وألا أتوقف عن المطالبة بالحق، وألا أضعف أمام واجب الثأر للمظلومين ومحاسبة المجرمين.

أن أحمل الثورة في يدي وأحمل أهدافها في قلبي، فإذا سقطت الثورة لا تسقط الأهداف إلا عندما يسقط كل أصحابها، ومحال أن يحدث ذلك.

ألا أتعلق بثورة واحدة، وأن أشعل ألف ثورة وحرب من أجل هدف واحد، فالحرية تستحق، وهي أكبر من الثورة وأكبر من الوطن، فوطنٌ بدون حرية هو بعض حظيرة نتنة أو زنزانة تحبس الروح في قاعها المظلم وشعاراتها الجوفاء، وثورة لا تستطيع تحقيق الحرية هي أداة مهترئة لا تستحق إعادة تدويرها.

لسنا بعض العبيد لنحافظ على أوطاننا بدون حريتها، وأن نرضى من الطغاة ببعض الطعام المترع بالذل من أجل أن نعيش في السجن كالبهائم، لسنا دعاة للسلام مع المجرمين، ولا نؤمن بالمجتمعات الهادئة التي تسبّح بحمد الطاغية، وتشكر له فتات خيره، وتحرسه وتعوي على أعدائه كالكلاب.

إنّ ألف موت وألف مجزرة وألف نهر من الدماء أهون من يوم مذلة واحد، وأفضل من ألف وطن يتحكم فيه بعض القتلة والمجرمين وصبيانهم.

ربما يتوجب علينا أن نشعل حرباً شاملة في سبيل حريتنا، ربما يتوجب علينا أن نعقد صلحاً في طريق حربنا، ربما علينا أن نحفظ الأرض التي ينبغي أن نحارب فوقها، وربما علينا أن نحرق الوطن كله لكي نستطيع استعادته، ربما علينا أن نتمسك بثورتنا على أنها آخر الأدوات التي يمكن أن نفعل بها، لا أدري..

كل ما أعرفه هو أنّ أي فعل لا يستوجب الحرية الكاملة، ولا يسعى خلفها بما أعطاه الله من قوة وروح، هو فعل خيانة للدماء والوجود، سواء كان ثورة أو حرباً أو سلماً أو مهادنة. وأن واجب العمل لا ينتهي ما دام فينا عرق نابض، وأن اليأس مهانة وموت وخيانة، وأن الانحياز للأدوات هو انحياز زائل لأن الأدوات زائلة، أمّا الحرية فباقية ما بقيت الأرض، وما بقي المحاربون في سبيلها.

لسنا ثواراً، وإنما أحرارٌ أصحاب حق وكرامة، ولا يهزم صاحب الحق مهما طالت عليه الحرب، وأثخنته جراحها، وإنما تشتد عزيمته وتصلب إرادته مع التضحيات والدماء، ويكبر ثأره ويُصقل جبينه بالنار وهو يغرس سيفه في قلب الباطل، ويصل الكفاح بالكفاح، والعمل بالعمل، والنضال بالنضال، ويبذل العرق والدماء والسهر والأجيال التي لا يهدأ ضجيجها ولا تفتر عزيمتها وجهادها، ولا تتوقف عن عطائها ودأبها حتى تخور الأرض تحت أقدام الأعداء المغتصبين للحرية والعدالة والكرامة.

على هذا نبقى حتى الرمق الأخير، لنا وعد الله ما بقينا كذلك، وعليهم حربنا حتى نستأصل شرهم ونستعيد حريتنا كاملةً كاملة.