حب داخل الحكومة المغربية

حب داخل الحكومة المغربية

22 ابريل 2015
الصورة

اجتماع للحكومة المغربية (19مارس/2015/Getty)

+ الخط -

أثارت قصة حب بين وزير ووزيرة في الحكومة التي يقودها حزب إسلامي في المغرب جدلاً كثيراً مازال متفاعلاً على أكثر من مستوى. وفي القصة وعناصرها كثير من مواد الإثارة التي تؤجج هذا الجدل، إلى درجة أدت إلى حجب أنظار الناس عن أشياء أخرى مهمة، تمس حياتهم اليومية، من قبيل الإجراءات التي تعتزم الحكومة اتخاذها للزيادة في سعر قنينة الغاز.

قصة الوزيرين المغرمين في عقدهما السادس، وزير العلاقة مع البرلمان والمجتمع المدني وزميلته الوزيرة المنتدبة لدى وزير التعليم العالي، انتقلت من المجال الخاص إلى المجال العام الواسع، بحكم موقعي بطليها، وأيضاً بسبب أشياء أخرى. فالوزيران ينتميان إلى الحزب الإسلامي الذي يقود الحكومة، وكلاهما متزوج وله أبناء وللوزيرة أحفاد. ومع ذلك، لا شيء يمنع من أن يضرب قوس الحب، فهو متى صَوَّب لا يعرف الحبيب أو الحبيبة متى ينطلق سهمه، ولا السرعة التي ينطلق بها. وعلى الرغم من أن الحبيبين أعلنا خطوبتهما، وشاع الخبر بها، إلا أن ذلك لم يُلجِم الألسنة، ولم ينه الجدل.

المدافعون عن بطلي هذه القصة، وأغلبهم من أنصار حزبهما، يتمترسون وراء مبدأ ضرورة احترام الحياة الخاصة، ويتحججون بتعاليم الإسلام التي تحرم الخوض في أعراض الناس، وبتقاليد المجتمع المغربي المحافظة التي تراعي حرمة الأسر، وحياة الأفراد الخاصة. لكن خصومهم يردون عليهم بأنهم يكيلون بمكيالين، فهم مع الحريات الفردية عندما يتعلق الأمر بحياتهم الخاصة، وضدها عندما يتعلق الأمر بمبدأ الحرية الفردية، قيمة كونية تنص عليها المواثيق والقوانين الدولية.

منتقدو سلوك الحبيبين يردون على الاختفاء وراء مبدأ احترام الحياة الخاصة، بأنهما وزيران في الحكومة، وبالتالي هما شخصيتان عموميتان، ومن حق الرأي العام الخوض في حياتهما الخاصة، على الرغم من أن الدستور المغربي صريح في هذا الباب، فهو ينص على أن لكل شخص الحق في حماية حياته الخاصة.

لكن، يتجاوز الأمر هنا ما هو خاص إلى موضوع السلوك الأخلاقي العام الذي يدخل في مجال الحياة العامة، بما أن كل فرد داخل مجتمع ما يفترض فيه، كيفما كان موقعه، احترام، أو على الأقل، مراعاة الأخلاق العامة المتعارف عليها داخل المجتمع. وعندما يتعلق الأمر بشخصيات عمومية، فإن الواجب يفرض عليها أن تكون نموذجاً للسلوك الأخلاقي العام.

يضاف إلى ذلك أنه عندما يتعلق الأمر بشخصيات عامة، فإن الفرق بين ما هو خاص وما هو عام يصبح خيطاً رفيعاً لا يستطيع أن يمنع الكثير من حالات التماس بينهما. كما أن الفرد عندما يدخل المجال العام، عليه أن يقبل، أيضاً، بالتنازل ضمنيّاً عن جزء من حياته الخاصة، وعندما يكون المجال العام مرتبطاً بالسياسة، فإن هذا التنازل يفرض نفسه على صاحبه، ويصبح الفصل بين ما هو خاص وما هو عام أكثر صعوبة.

فالعلاقة بين ما هو خاص وما هو عام مازالت مثار جدل واسع، لم يحسم فيه، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالسياسة. والنقاش هنا يثير جدلاً قانونياً وفقهياً وأخلاقياً وسياسياً، ليس هنا مكان حسمه، ولا موضع نقاشه. وفي حالة الوزير والوزيرة المغربيين، يطرح أكثر من سؤال. فالحدث أثار من جديد موضوع النقاش حول تعدد الزوجات الذي حسم فيه القانون المغربي إباحته، طبقاً لما ينص عليه الشرع، على الرغم من أنه قننه، عندما اشترط على الزوج ضرورة الحصول على موافقة الزوجة أو الزوجات. فهناك من رأى في إقدام وزير على الزواج مرة ثانية، وقبول وزيرة بأن تكون ضرة، تشجيعاً على تعدد الزوجات داخل المجتمع المغربي، وهو ما تنتقده الجمعيات النسائية والحركة الحقوقية المغربية، وسعى قانون الأسرة إلى الحد منه.

كما أن علاقة الحب التي تبقى إنسانية وخاصة اكتست، في حالة هذه القصة، بعداً سياسياً، لأن بطليها وزير ووزيرة، وهو ما دفع كثيرين من رواد المواقع الاجتماعية إلى التساؤل عما إذا كان انشغال الوزيرين الحبيبين بحبهما، وانشغال رئيس الحكومة وأعضاء حكومته بتداعيات هذه القصة، بعد أن خرجت من المجال الخاص إلى المجال العام، سيؤثر على أداء الوزيرين وعلى أداء الحكومة برمتها. والأكيد أن هذه القصة، بكل تداعياتها وأبعادها، انعكست سلباً على الصورة الخارجية التي سعت السلطة في المغرب إلى أن تقدمها عن مجتمع مغربي يتطور بإخراجها قانوناً جديداً ومتقدماً للأسرة، قبل نحو عقد. وهو ما جعل صحفاً غربية كثيرة، وخصوصاً الفرنسية والإسبانية، تركز على ارتفاع حالات تعدد الزوجات داخل الحكومة الحالية، وبين قيادات الحزب الإسلامي الذي يقودها. لكن الانعكاس السلبي الكبير لهذه القصة كان على هذا الحزب الذي ينتمي إليه بطلاها، لأنها جاءت لتكرس الصورة السلبية النمطية التي يحاول خصوم الحزب أن يروجوها عن أتباعه بأن تفكيرهم وسلوكهم تحركه وتتحكم فيه غرائزهم قبل عقولهم.

اليوم، وبعد أن تحولت قصة حبهما إلى قضية رأي عام، بكل ما لها من تداعيات على حياتهما الشخصية، وعلى صورتي حزبهما وبلدهما، كان عليهما أن ينتصرا لقصة حبهما، ويغادرا بيت الحكومة الذي لا يصلح لأن يكون عشاً للزوجية، وأبعد من ذلك أن يكون مكاناً للحب، مهما سمت المشاعر.