حبس نقيب الصحفيين ومخاطر السمعة

20 نوفمبر 2016
الصورة
الحكم يعطي انطباعا سلبياً عن الدولة(العربي الجديد)
+ الخط -

هناك علم حديث بات ينتشر وبسرعة في أسواق المال العالمية خلال السنوات الأخيرة ويتعلق بإدارة المخاطر Risk Management.

العلم الحديث يطلق عليه اسم مخاطر السمعة Reputation Risk، وهو يعني ببساطة أن سمعة أي مؤسسة مالية أو استثمارية أو حتى إنتاجية يمكن أن تحدد مستقبلها وتؤثر في مركزها المالي وتحدد معدلات الأرباح المحققة أو المتوقعة.

فإذا كانت سمعة المؤسسة ممتازة فإن ذلك يوفر لها حجم مبيعات أعلى وربحية أكبر وانتشاراً سريعاً داخل الأسواق، أما إذا ساءت سمعة المؤسسة فإن المخاطر المحيطة بها تتفاقم، ومعها تتراجع المبيعات، وتكون الخسائر في انتظارها، بل قد يكون مصيرها هو التعثر المالي وربما الإفلاس والخروج من السوق أصلاً.

ومخاطر السمعة علم لا يزال مرتبطاً في أذهان الاقتصاديين ورجال المال والأعمال بعالم البنوك والمؤسسات المالية والاستثمارية والشركات التي راحت ترصد المخاطر المحيطة بها، خاصة تلك التي يمكن أن تؤثر سلبا على سمعتها ومراكزها المالية.

بل وسارعت هذه المؤسسات بوضع سيناريوهات وآليات وإجراءات للتعامل مع مخاطر السمعة وغيرها من المخاطر المحيطة مثل مخاطر السوق والاقتصاد والصناعة والائتمان والتشغيل والسيولة وأسعار الصرف والفائدة وغيرها.

وإذا كانت مخاطر السمعة تحدد مستقبل المؤسسات البنوك والشركات الكبرى والصغرى على حد سواء، فإنها تحدد أيضا حاضر ومستقبل اقتصاد أي دولة، ولذا يجب توسيع مفهوم مخاطر السمعة بحيث يمتد للدول والحكومات والاقتصاد الكلي، ولا يقتصر فقط على المؤسسات.

لنأخذ مثالاُ بحالة مصر، ففي الوقت الذي تحاول فيه الحكومة إعادة ثقة المستثمرين الأجانب والسياح للبلاد، وتسعى لتنشيط موارد النقد الأجنبي، بما فيها الموارد الدولارية، التي تراجعت بشدة، نجد أن الحكومة تصدر احكاما وتمارس سلوكيات تزيد من منسوب مخاطر السمعة، بل وترفع من درجة المخاطر الكلية التي تعطي انطباعا سلبيا ومستمراً عن الدولة ونظامها السياسي والاقتصادي، بل والاجتماعي.

وحتى لا يكون الكلام انشائيا، سأعطي أمثلة كثيرة عن ذلك آخرها الحكم الصادر بحبس نقيب الصحافيين والوكيل والسكرتير العام لمدة عامين، فهذا الحكم يعطي انطباعا سلبياً عن الدولة، وأن حكومتها ونظامها السياسي يقمع حرية الرأي والتعبير.

بل وتلعب الممارسات الحكومية في زيادة المخاطر الكلية للبلاد، فعندما يسمع مستثمر أجنبي أن مصر حبست نقيب الصحافيين لأول مرة في تاريخها، هل يفكر في هذه الحالة في استثمار أمواله داخل البلاد، أو نتوقع قدوم مزيدا من السياح الأجانب خاصة من الدول التي تطلق العنان لحرية الرأي والتعبير وتعتبر هذه الحرية حقا مقدسا للفرد، أو نتوقع زيادة الصادرات المصرية وحدوث مزيدا من الاقبال على المنتجات المصرية؟

هنا قد تساهم ممارسات الحكومة السلبية، حتى ولو كانت سياسية أو أمنية، في الحد من تعافي الاقتصاد وخطط زيادة موارد البلاد من النقد الأجنبي خاصة من قطاعات متعلقة بالأجانب مثل الاستثمارات الخارجية والسياحة.

حبس نقيب الصحفيين ليس الحالة الأولى التي تغذي منسوب مخاطر السمعة وتسيء لسمعة البلاد في الخارج، فهناك سلسلة طويلة تغذي هذه النوعية من المخاطر مثل الحديث المبالغ فيه والمستمر عن الإرهاب، وأحكام الإعدام المستمرة للمعارضين السياسيين، والاعتقالات خاصة وسط الشباب، وإقرار قوانين مقيدة للحريات، وحظر التظاهر، وقمع حرية الرأي والتعبير، وانتهاك حقوق الانسان، والاختفاء القسري، وخطف طائرة مصر للطيران، ونسف الطائرة الروسية فوق سيناء، وقتل الباحث الإيطالي ريجيني، وقبلها قتل السياح المكسيكيين في الصحراء الغربية.

مخاطر السمعة تتفاقم في مصر بشكل سريع، وجذب استثمارات وسياح وموارد نقد أجنبي للبلاد لا يتوقف فقط على قرار تعويم الجنيه المصري وتحرير سعر الصرف، وتوفير الطاقة والغاز للمستثمر، وإتاحة حرية دخول وخروج الأموال، بل يتوقف على عوامل أخرى منها السمعة وتفادي المخاطر المتعلقة بها.

فقطاع من السياح الإيطاليين لن يأتي إلى مصر من دون أن يعرف مصير قتلة ريجيني، ومستهلك السلع المصرية في الخارج يريد أن يعرف كيف تعاملت السلطات المصرية مع التقارير التي تتحدث عن ري المنتجات بمياه الصرف الصحي وبالتالي تسببها للأمراض.


المساهمون