حالة من عدم اليقين تجاه المستقبل الاقتصادي

13 يوليو 2020

منذ جائحة كورونا، تطل علينا نتائج لاستطلاعات محلية مختلفة، تارة عن رضى الأردنيين عن أداء معين، وتارة أرقام عن العنف المنزلي في ظل الحظر و(تفشيش) أفراد الأسرة بعضهم لبعض. إلا أن الاستطلاع الأخير الذي صدر عن  مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية كان لافتاً، بل محبطاً للغاية. حيث أظهرت نتيجة الاستطلاع أن 84% من الأردنيين يرون أن تردي الأوضاع الاقتصادية بصفة عامة هو التهديد الأول الذي يواجه الأردن، فيما جاء ارتفاع معدلات البطالة في المركز الثاني، وإن 50% ممن يعملون في القطاع الخاص قد خسروا وظائفهم بسبب جائحة كورونا، وهو مؤشر على مدى السوء الذي وصلت إليه الأمور الاقتصادية والمالية، في ظل هذا الفيروس. وهذه النتائج تعطينا انطباعاً واضحاً وقوياً عن مدى حالة الإحباط والتشاؤم وعدم اليقين في مجتمعنا تجاه المستقبل الاقتصادي.

لقد أشعل الفيروس أزمة القطاع العام الذي يفترض أن يكون قوياً، وهو خط الدفاع الأول ضد المخاطر التي تحيق بمجتمعاتنا. على هذا النحو، وهنا، يمكننا التفكير بجدية في ما يخص بتلبية احتياجات المجتمع من خلال تفعيل المنظمات غير الحكومية والجمعيات الخيرية القادرة على الاستجابة مباشرة للاحتياجات المحلية وتقديم الدعم لأكثر الفئات حرماناً، وأن الوقت قد حان فعلياً لتأخذ دورها المنشود.

وفي الحقيقة، إن خير ورخاء أي جزء من المجتمع يعتمد بشكل وثيق على خير الجميع ورخائهم. فلا رفاه للمجتمع عندما تهتم فئة معينة بمصلحتها بمعزل عن صالح الآخرين، ولهذا، فنحن في أمسّ الحاجة إلى قيم أخلاقية مشتركة وإطار عمل موثوق لمواجهة كوارث تتجمع من حولنا كغيوم عاصفة.

ولا شك في أن وتيرة التغيير السريعة في عدد لا يحصى من المجالات قد أدت إلى هذا الشعور المتزايد بعدم اليقين وحالة من الإحباط التي تعاني منها معظم المجتمعات. فأعداد متزايدة في ظروف اجتماعية محفوفة بالمخاطر والخوف من المستقبل الاقتصادي أيضاً، فضلاً عن النظرة الضبابية لمسؤولية المؤسسات المعنية وقدرتها على الاستجابة. نحن بأمسّ الحاجة لأن تعمل هذه المؤسسات مع أفراد المجتمع بشكل متضافر من أجل الرفاهية المجتمعية.

وفي هذه الأزمة الكورونية التي عصفت بالبشرية جمعاء، قد نجد قلة من الدول، ومن بينها أردننا الغالي، قد تعافت شيئاً ما صحياً، بل وسجلت قصة نجاح صحية. إلا أن البشرية  تجد نفسها في الوقت الحالي في منعطف حاد، حيث إن أعداداً كبيرة من الناس ينظرون إلى حياتهم بشكل عام على أنها تزداد سوءاً، وأن أكثر ما يحتاجه المواطنين هو استقرار اجتماعي أكبر.

إذن نحن بحاجة إلى أدوات اجتماعية جديدة ومبادئ روحية متجددة للتخلي عن الأنماط القديمة للتنظيم الاجتماعي القائمة على الجشع والصراع والتفكير الخاص، نحتاج لإعادة التفكير في طريقة الاستهلاك، ترتيب أولويات حياتنا، خاصة بعد فترة من الحجر المنزلي استعدنا فيها جزءاً من توازننا الداخلي، ولكن تبقى مسؤولية بناء هذا المجتمع بالنظرة الجديدة مسؤوليتنا جميعاً.

فواجب كل فرد أن يكون "مصدراً للصالح الاجتماعي" ، ولكنه لا يزال يضع المسؤولية النهائية عن الرفاه الاجتماعي على الحكومة، فإنها بذات الوقت هي دعوة إلى التخلي عن المصلحة الذاتية والتصرف باستقامة أخلاقية.

وبما أنني لست خبيرة بالشأن الاقتصادي، فإنني أورد مفاهيم من شأنها أن تحرك فينا شيئاً من التساؤلات، فلا شيء سوى إيقاظ روح الإنسان يمكنه خلق الرغبة في إحداث تغيير اجتماعي حقيقي، وغرس الثقة في قلوب الناس بأن تحقيق مثل هذا التغيير ممكن بالفعل.

وعندما تدمج المبادئ الاخلاقية بشكل كامل مع النشاطات التنموية للمجتمع، فمن المرجح أن تكون الأفكار والقيم والمقاييس العملية التي تنبثق منها هي التي تشجع الاعتماد على النفس وتحفظ كرامة الإنسان، وهكذا يتم تجنب أساليب الاتكال. فصفات مثل الصبر، الأمانة، الكرم، التواضع، الشجاعة والرغبة في التضحية من أجل الصالح العام تشكل الأسس غير المرئية، ولكن الضرورية، لحياة اجتماعية متقدمة.

فالترقي المادي يجب أن يفهم بأنه لا يعتبر هدفاً بحد ذاته، بل أداة للتقدم الاجتماعي والأخلاقي. فالتغيير الاجتماعي الهادف لا ينشأ نتيجة اكتساب المهارات التقنية بقدر ما يعتمد على تطوير صفات ومواقف سلوكية تعزز الأنماط التعاونية والمبتكرة للتفاعلات الإنسانية.

لهذا، إن الدور المرجو أن تلعبه الحكومة، من خلال تطوير سياسة سليمة، تتمتع فيها المؤسسات العامة بالقدرة على المساعدة في ضمان استفادة جميع الأشخاص من التقدم التكنولوجي، حتى يتمكن الجميع من كسب العيش والمساهمة في المجتمع من خلال التجارة أو المهنة، وقد تندثر وظائف وتزدهر أخرى ونعتمد على (الأونلاين) بطريقة أكثر أخلاقية من أي وقت مضى.

وبالرغم من أن للمؤسسات العامة دوراً لا غنى عنه في ضمان الرفاه الاجتماعي للبشرية، وفي أن تحقيق هذا التغيير يتطلب جهوداً استباقية مستمرة، بالإضافة إلى الكثير من التجريب والعثرات. إلا أنها في النهاية لا بد لنا من التفاؤل بأن عملية النضج المؤسسي طويلة الأمد هذه قد بدأت بالفعل.