حاكم مصرف لبنان يروي قصة التلاعب بالدولار... ماذا قال؟

03 أكتوبر 2019
الصورة
سلامة متحدثاً في افتتاح مؤتمر المسؤولية الاجتماعية (العربي الجديد)
رسم حاكم "مصرف لبنان" المركزي، رياض سلامة، اليوم الخميس، حدوداً واضحة أمام من يحاول التنفّع من سيولة الدولار على حساب الاحتياطي النقدي والاستقرار الاجتماعي، وشرح بشكل تفصيلي تطوّر أزمة الدولار التي بدأت تتجلى بقوة في يونيو/حزيران الماضي.

اغتنم سلامة فرصة رعايته "المنتدى السنوي التاسع للمسؤولية الاجتماعية للشركات" The 9th CSR Lebanon Forum، ليُذكّر "الجميع بأن الليرة اللبنانية لا تزال هي عملة البلد"، مؤكداً أن المصرف المركزي "مستمرّ، ضمن إمكاناته، في تشجيع القطاعات الإنتاجية والقطاعات الاقتصادية عامة، ومستمرّ في تأمين استقرار سعر صرف الليرة".

وتناول سلامة ظروف السوق النقدية والتطوّرات الأخيرة فيها ملاحظاً أن "كثيرين يتحدثون اليوم عن فرق بين سعر صرف الليرة لدى المصارف ولدى الصيارفة"، لكنه أكد أنه "إذا ما عدنا في التاريخ، يتبين لنا أن هذا الفرق لطالما كان قائماً؛ ففي بعض الأحيان كان السعر لدى الصيارفة أقل من السعر لدى المصارف، وأحيانا أُخرى أكثر".

أما "سبب هذا الارتفاع أو التراجع، فهو أن أسواق الصيارفة والأوراق النقدية بالدولار، هي أسواق لا يتدخل فيها مصرف لبنان إلا من ناحية التنظيم. فالصرّاف لا يملك حسابات في مصرف لبنان، وبالكاد يملك حسابات في المصارف، وهو يتعاطى بالأوراق النقدية بموجب جميع الخصوصيات التي يملكها".
وما شهده البلد ابتداء من يونيو/حزيران الماضي، هو، بحسب سلامة، "ارتفاع الطلب على هذه الأوراق النقدية، لا بل تضاعف قيمة شحن الأوراق النقدية التي يستخدمها الصرافون. ربما هذا الطلب محلي، من محطات البنزين أو الأفران أو الصيادلة بسبب الدولرة، بحيث إن المستورد يطلب من عملائه الدفع بالدولار إذ لا يملك الإمكانات الكافية ليتعاطى مع مصرفه بالدولار، نتيجة زيادة الاستيراد لبعض المواد التي لا نعلم إذا ما كانت للاستهلاك المحلي أم لا".

ويطرح "تجهيل" سلامة وجهة استخدام بعض المواد المستوردة بكميات مضاعفة مسألة ما يُحكى عن تهريب للسلع الحيوية عبر الحدود البرية إلى سورية، وهو ما قال سلامة في دردشة مع الصحافيين بعد جلسة الافتتاح في المنتدى، إنه لا يعلم عنه شيئاً، تاركاً المسألة لاختصاص السلطات المعنية بتنظيم الحركة الحدودية.

وهذا الارتفاع بالطلب على الأوراق النقدية بالدولار، بحسب سلامة، أدى إلى تكلفة إضافية تراوحت بين 1% و3% بالنسبة للأسعار الموجودة في المصارف. ويكمل القصة بالقول: "استغل البعض هذا الوضع واستخدم أجهزة الصراف الآلي ATM لسحب مبالغ بالدولار وتقييدها في حسابه بالليرة، ثم بيعها لدى الصيارفة لتحقيق الربح، وإيداع المبلغ بالليرة من جديد في الـATM، علما بأننا من البلدان القليلة التي تضع الدولار في الصراف الآلي". 

وعندما رصد المصرف المركزي و"جمعية مصارف لبنان" هذه الظاهرة وتكاثرها، قال سلامة: "وافقنا على طلب المصارف اعتماد مبدأ السحب بالدولار لمن كان حسابه بالدولار، والسحب بالليرة لمن كان حسابه بالليرة".
إلى جانب ذلك، أوضح سلامة أنه في ما يخص العملاء الذين دخلهم بالليرة ويملكون قروض تجزئة بالدولار، "فاتفقنا مع المصارف على أن تقوم هي بعملية التحويل (من الليرة إلى الدولار) لسداد هذه القروض، لا أن يقوم الصيارفة بهذه المهمة". 

تدابير "مزعجة"... ودفع ديون الدولة

وطرح سلامة مسألة التعميم الصادر والذي يؤمّن السيولة الدولارية لاستيراد الوقود والدواء والقمح، مشيراً إلى أن "اقتصادنا المدولر قد يتسبب بمشكلات لجهة سداد فواتير الاستيراد. فعندما زاد استخدام الليرة اللبنانية في الأسواق التجارية، أصدر المركزي تعميماً تستطيع المصارف بموجبه شراء الدولار من مصرف لبنان لتمويل استيراد المشتقات النفطية (بنزين، مازوت، غاز) والقمح والأدوية".

واعتبر أن "هذا الأمر أساسي لتأمين الاستقرار الاجتماعي وعدم خلق مزيد من الفوضى"، مضيفاً: سنطبق هذا التعميم بالاتفاق مع المصارف، وقد وضعنا له ضوابط ربما أزعجت البعض، لأننا لن نسمح بأن يستفيد من يستورد الدولار من مصرف لبنان ويبقي في المقابل سيولته في المصارف، لتلقي الفوائد. لدينا إمكانيات متوفرة لتأمين الدولار لاستيراد هذه المواد الأساسية". 

ودعا سلامة "المصارف التي ستفتح الاعتمادت، إلى التأكد من أن هذه الأخيرة مخصصة حصراً لتغطية استيراد السلع بهدف الاستهلاك المحلي. هذا الأمر أساسي للوضع المالي في لبنان، ولسمعته ولبقائه منخرطاً في العولمة المالية".

وقال إنه يأمل من الحكومة إقرار مشروع الموازنة العامة لسنة 2020، لإعطاء "إشارة إيجابية للأسواق، من حيث تخفيض العجز"، معلناً استعداد مصرف لبنان "لسداد استحقاقات الدولة بالدولار، لأسباب نقدية ولحماية مصداقية لبنان وقدرته على تمويل اقتصاده".

المسؤولية الاجتماعية... والقروض المدعومة 

وفي الموضوع المطروح في منتدى المسؤولية الاجتماعية، قال سلامة: "لا تكتمل أي مؤسسة أو شركة أو مصرف أو مصنع من دون مبادرات اجتماعية"، معتبراً أن "الشمول المالي موضوعٌ يشغل اليوم جميع السلطات النقدية وصندوق النقد الدولي، وهو موضوع يهم مصرف لبنان على الأخص، إذ يعتبر أنه يساهم في تعزيز مستوى المعيشة في الدول عامة وفي لبنان خاصة".

في هذا الإطار، أوضح سلامة أن مصرف لبنان "أطلق مبادرات عدة، كالقروض السكنية المدعومة التي لا تزال قائمة. هناك اليوم في بعض المصارف التي اختارت أن تستمر معنا في هذه المبادرة، حوالى 280 مليون دولار مخصصة للقروض السكنية. كما أطلق مصرف لبنان قرضا للمغتربين تبلغ قيمته حوالي 100 مليون دولار".

وتحدث عن مبادرة الكويت بتقديم قرض يساوي 170 مليون دولار موجّه للقروض السكنية، وهو بانتظار إقراره في مجلس الوزراء، مشيراً إلى أن "في الأسواق اللبنانية اليوم 500 مليون دولار تقريباً لتأمين الطلب على القروض السكنية، الأمر الذي يخدم قطاعنا العقاري".

ولفت إلى أن "تعزيز الثقة في لبنان وصورته ومستقبله يساعد القطاعين العقاري والسكني. غير أن بعض اللبنانيين يقومون اليوم بتحويل أموالهم وادخاراتهم إلى قبرص واليونان وغيرها من البلدان، للحصول منها على جواز سفر وإقامة. نأمل بأن يتغير هذا الوضع قريباً، فنعزز الثقة في لبنان ومستقبله".

عملة رقمية بالليرة اللبنانية

ومن المواضيع الأُخرى التي اعتبرها سلامة مهمة لتأمين الشمول المالي "تسهيل طرق الدفع"، وقال إن مصرف لبنان في صدد إصدار تعاميم حول وسائل الدفع والتسليف بالوسائل الإلكترونية، ويسعى إلى وضع التطبيقات المشمولة فيها تحت مظلة المصارف، ما يشجع القطاع التكنولوجي في لبنان ويسهّل عملية الدفع والاقتراض على المواطنين".

وقال: "نأمل أن تصدر هذه التعاميم قريباً، فتتمكن المؤسسات المهتمة من طلب ترخيص من مصرف لبنان الذي يقتصر دوره في هذا المجال على منح الترخيص والإشراف. ويترك المركزي للأسواق حرية التصرف بما يتعلق بتطبيق وتطوير الأنظمة التي تسمح للبنانيين بتنفيذ عملياتهم في جميع المناطق اللبنانية، حتى تلك التي لا يوجد فيها فروع للمصارف".

كما أوضح أن "العملة الرقمية ستكون بالليرة اللبنانية فقط وليس بالدولار، وستساعد المستهلك على تحرير مدفوعاته بكلفة أقل".

تصفية "جمّال"... والعقوبات الأميركية

ورداً على أسئلة "العربي الجديد" في دردشة مع الصحافيين، قال سلامة عن ملف "جمّال ترست بنك" الذي قرّر التصفية الذاتية بعد إدراجه في قائمة العقوبات الأميركية أخيراً، إن المصرف المركزي قد عيّن مصفّياً لهذا المصرف وسوف يحصل جميع المودعين على ودائعهم.



وعمّا إذا كانت مصارف لبنانية أُخرى ستُدرج في قائمة العقوبات لدى وزارة الخزانة الأميركية، أكد سلامة أن المسؤولين الأميركيين المعنيّين لم يذكروا له أسماء مصارف لبنانية إضافية.

ولدى سؤاله عما إذا كانت الإدارة الأميركية تُبلغ لبنان عادة بالأسماء قبل إدراجها على لائحة العقوبات، قال "كلا. هي لا تفعل ذلك".