حاشية على صورة القرضاوي

27 ابريل 2019
الصورة

الصورة وشرحها وخبرها على شاشة قناة الحدث

+ الخط -
لك في مزاولتك الإعلام أن تصطفّ في أي ضفةٍ تشاء، وأن تكون لك انحيازاتُك وخياراتُك. وعندما يطرأ تأزّمٌ ما في العلاقات بين طرفين، أو بلدين، أو محورين، من حقّك، فردا كنتَ أو مؤسسةً، أن تقف مع هذا وأن تُخاصم ذاك. ستضطر، في حالك هذا، إلى "تلوين" بعض الأخبار بلغةٍ توحي بموقفك. ولك أن "تضخّم" من قيمة هذا الخبر إذا ساند وجهة نظرك، وأن "تقلّل" من قيمة الخبر الذي يخصم من موقفك، أو لا تنشره. في وسعك أن تستضيف خبراء ومحللين (سمّهم ما شئت) ليقولوا أي كلامٍ لصالحك، ولا بأس، لدواعي إقناع جمهورك بما تراها موضوعيةً فيك، من مشاركة آخرين من جماعة خصمك، بحدودٍ مدروسة. وفي العموم، دعك من الكلام الكبير عن مهنيةٍ وموضوعيةٍ تتّبعهما في أدائك. افعل ما تشاء وأنت تطبخ مادّتك، ولكن عليك بالأخذ بالنصيحة الذهبية التي سيجعلك إغفالُها مُضحكا: لا تكذب. إياك أن تفعلها، وتتبنّى خبرا غير صحيح، ثم تسلّح به وجهة نظرك. وإذا أخطأت، ووقعت، سهوا أو تسرّعا، في نشر كذبةٍ ما، سارع إلى التصحيح والاعتذار. 
لا يشحط الذئبَ من ذيلِه صاحبُ هذه الكلمات، عندما يورد البديهيات أعلاه. ولكن أرطالا من الدلائل على إغفال عاملين في بعض الإعلام العربي، الفضائي والمكتوب، تتراكم قدّامك، تفيد بأن هؤلاء يستطيبون الكذب في شُغلهم، ولا يستشعرون حرجا في ذلك، ما يورّطهم في مطباتٍ بلا عدد، ثم لا يستحون عندما يتجاهلون انكشافها. وليس المشهد الإعلامي العربي، في ما يتعلق بالاصطفاف المنظور بخصوص الأزمة الخليجية خافي التفصيل. من أهم ما أكّده هذا المشهد أن التنازع، في المستوى الإعلامي، بين طرفي الأزمة، على الجمهور العام، دلّ على "شطارة" طرفٍ وبراعته، وحرفيّته في تظهير مقادير الموضوعية والمهنية لديه (لك أن ترى كميّتها كما شئت)، فيما الطرف الآخر لا يتوقف عن إدانة نفسِه بنفسِه، عندما يحاول التشاطر والتذاكي، سيما عندما يقترف التحريف والتزوير، أما الكذب لديه فمنسوبُه فادح. وفي الأثناء، ليس أمرا هيّن المعاني والمغازي أن أسوأ موقع إلكتروني عربي، في انحطاط لغته تجاه دولة قطر، وهو موقعٌ مصريٌّ معروف، مُتاح لك في الدوحة أن تتصفّحه، فيما مواقع الصحف القطرية، وهي مهذّبة اللغة، محظورةٌ في مصر. وأن في وسعك، في أي غرفةٍ في أي فندق في الدوحة، أن تشاهد "العربية" وتلفزيون أبوظبي، فيما يُعاقَب أي فندقٍ في الإمارات إذا "ضُبط" أنه يتيح لنزلائه مشاهدة "الجزيرة".
جديد الجديد في هذه المسألة، بشأن بؤس إعلام دول حصار قطر وإسفافه، أن قناة العربية وموقعها الإلكتروني، وكذا شقيقتُها قناة الحدث، ثم صحيفة لندنية تنفق عليها أبوظبي، أشهروا غبطةً كثيرة باكتشافهم صورة تجمع الداعية الشيخ يوسف القرضاوي في منزله في الدوحة باثنيْن من زوّاره، أذاعوا أن أحدهما قائد حركةٍ متطرّفة، نُشر أنها متهمةٌ بتدبير التفجيرات الإرهابية أخيرا في كنائس وفنادق في سريلانكا، هو زهران هاشم (تحدثت أنباء في كولومبو عن مقتله في التفجيرات؟). واختارت تلك الصحيفة أن تعنون خبرها، في صدارة صفحتها الأولى، بأن "القرضاوي زعيمٌ روحي لمنفذي هجمات سريلانكا"، واستطردت، كما موقع "العربية" ومواقع مثيلة، في اعتبار الصورة دليلا على الصلة (!) بين الإخوان المسلمين وقطر والإرهاب. ثم بادر مكتب القرضاوي إلى تكذيب هؤلاء، وإيضاح أن زائره في الصورة التي تعود إلى 2017 داعيةٌ هندي.
أهمية الواقعة أنها موصولةٌ بمسارٍ من الكذب الرديء، ومن الممارسة الإعلامية الهابطة. فيما في وسع أولئك أن ينتقدوا الإخوان المسلمين، والإسلام السياسي، بكثيرٍ مما فيهما، وكذلك أفكارا واجتهاداتٍ لدى القرضاوي، من دون حاجةٍ لكل هذه الحرب الإعلامية التي تنشط فيها مؤسساتٌ معلومة، بكذبٍ غزير. وهنا لهم نصيحة أخرى: أن يتذكّروا أنهم صيّروا "الإخوان"، والقرضاوي، إرهابيين ودعاة إرهاب، فورا بعد الانقلاب في مصر صيف 2013. وألا يذهبوا إلى كتب سيد قطب وحسن البنا وغيرهما من "الإخوان" القدامى، للتدليل على أن الإرهاب عتيقٌ في الجماعة، ذلك أن هذا الكلام يجعل أصحابَه مضحكين، فقبل ذلك الانقلاب، ولمّا كانت تلك الكتب خاليةً من التطرّف الذي فوجئوا به لاحقا، كان شيوخ "الإخوان" يحوزون في أبوظبي والرياض ضيافةً وإقامةً مُشهرتيْن. من الأحسن ألا يخوضوا في هذه الملف، ولا يتشاطروا بصورةٍ للقرضاوي، دلّت، للمرة الألف على الأقل، على رثاثةٍ وركاكةٍ شاسعتيْن فيهم.