حارة السماعنة في سانتياغو

06 سبتمبر 2020
الصورة
في هذا الحي، نشأ جيل عربي وفلسطيني في المهجر التشيلي(ناصر السهلي/العربي الجديد)
+ الخط -

 

نشأ جيل عربي وفلسطيني في المهجر التشيلي، تقاطر إليه المهاجرون الأوائل من شمال وجنوب البلد، حيث كانت المحطات الأولى لفلسطينيين في الأرياف، حتى أصبح يسمى "حارة السماعنة".
في هذا الحي، الممتدة شوارعه ومحاله ومشاغله التجارية ومساكنه، نشأ جيل عربي وفلسطيني في المهجر التشيلي. إليه تقاطر المهاجرون الأوائل من شمال وجنوب البلد، حيث كانت المحطات الأولى لمهاجري فلسطين في الأرياف، حتى أصبح يسمى "حارة السماعنة"، نسبة إلى الحي نفسه في بيت جالا، والهجرة الأولى إليه لمن هم من آل السماعنة. في زحمة الحي، الشبيه بأسواق بيروت ودمشق والقاهرة للثياب والمستلزمات، مضافة إليها مطاعم ومقاهٍ تحمل في أغلبها أسماء فلسطينية، كان فريد الحذوه يشرح لـ"العربي الجديد"، وهو في الـ52 من عمره، عن حيه الذي ولد ونشأ فيه: "هنا كنا نلعب (الغلول) البنانير (كرات زجاجية صغيرة تسمى شعبياً قلول أوغلول، أو دحل في سورية)، حيث كانت الحارة تراباً لا إسفلت لشوارعها". يحافظ فريد على شيء من لكنة فلسطينية ضفاوية، وبالأخص من بيت جالا. حارته التي يتحدث عنها باسم "حارة السماعنة"، وهي في قلب العاصمة التشيلية سانتياغو، ولا يخجل كل من تحدث إليهم "العربي الجديد"، أطباء ومهندسين وتجاراً، اليوم من أن "حارة السماعنة كانت الأصل في ما نحن عليه اليوم". 
يتجول فريد وابن عمه حنا في "الحارة" مع "العربي الجديد"، شارحين طفولة أبناء جيلهما، ممن ولدوا وكبروا فيها، ويصران على استعادة مدينة الأجداد في يومياتهما، وذكريات تطور الحي المتحول مما يشبه حياً ترابياً إلى أكثر الأحياء حيوية في المدينة. يسير فريد أمام الكاميرا ليشرح بلغة عربية فرح بتعلمها، وإن كانت خاصة جداً به لكنة ونطقاً: "هذه محلقة (صالون حلاقة) استأجرها الكوبيون من ولاد العرب (أبناء العرب)"، وصفة العرب أو "أولاد العرب" ستجدها تتردد مرات كثيرة على لسان أبناء هذا الحي الفلسطيني، حارة السماعنة، الذي توسعت ليضم من حضر من بيت جالا وبيت لحم في قديم الزمان، ولبنانيين وسوريين. فجأة، يقف حنا وابن عمه فريد عند بناء، مشيراً بيديه: "نحن ولدنا في هذه العمارة"، يقولها بلكنة بسيطة عن "الخلق" فتحال القاف كافاً "احنا خلكنا هونا" (نحن خُلقنا هنا). وكطفل فرح بلغته العربية، يسأل "فهمتني بالعربي؟".. وحين يتلقّى جواباً إيجابياً، يتشجع الاثنان في شرح تفاصيل حي "حارة السماعنة".

 

البداية
يأخذنا السير في الأزقة إلى حيث تنتشر آثار هؤلاء الأوائل من المهاجرين. فحين حضروا، قاطعين بحاراً وجبالاً نحو تشيلي، وكثيرون منهم عبر الأرجنتين، انتشروا في شمال البلد وجنوبه، قبل أن يتجمعوا حول بعضهم، ليباشروا من على التراب تأسيس حياتهم في مهجر بعيد. في تلك الأيام لم تكن سانتياغو كما هي عليه اليوم: "فكّر أولاد العرب في بناء مدرسة لأطفالهم، وصرنا نرتادها على بساطتها في ذات الحي". ظل الحي، الذي تنتشر فيه اليوم متاجر ملابس ومطاعم ومخابز يصعب عدّها، يتطور شيئاً فشيئاً لنصف قرن، منذ بداية 1900. بقي غير مخدم لسنوات، فلم تكن هناك شوارع مرصوفة بالإسفلت، ولم تكن في الحي مدارس إلا حين بدأ فلسطينيو ذلك الزمن يبنون بأنفسهم مدرستهم. ويذكر العم ألبرت، عم حنا وفريد، أن "ما تراه الآن لم يكن في البداية إلا تجمعاً تقاطر إليه من قدم إلى تشيلي ملتحقاً بأقاربه، فكل هذه المتاجر والعمارات بناها فلسطينيو بيت جالا وبيت لحم". 
تقع "حارة السماعنة" على سفح جبل في سانتياغو، ويبدو أن سبب اختيار المكان هو "أنه كان يشبه الأرض التي هاجر منها أبناء بيت جالا"، بحسب ما يذكر حنا، نقلاً عن جدته التي كبرت في سانتياغو. ورحلة هؤلاء السماعنة مع الهجرة نحو سانتياغو تعود إلى 1870، حيث "الفئة غير المتعلمة التي حضرت كانت الكبرى بين مهاجري ذلك الوقت، ولهذا ركزت تلك الفئة على التجارة في الأقمشة، وبعضهم كانوا يحملون على ظهورهم أو على دواب بسيطة بعض الملابس واحتياجات نساء الأرياف، يتغيب فيها الشاب العامل أياماً ليسوق بضاعته"، بحسب ما يضيف العم ألبرت في شرحه تاريخ حي السماعنة. والتسمية هنا جاءت من حارة السماعنة الأصلية التي هاجر منها الأوائل وتبع أثرهم بدايات القرن العشرين ومنتصفه كثيرون آخرون. على سفح هذا الجبل كانت الجدات الأوليات يزرعن بعض الشتلات حتى "أصبحت أشجار التين والمشمش المعمر جزءاً من حياة الحي، فالفلسطينيون الذين حضروا من البلاد أحضروا على البواخر شتلات معهم، معتقدين أنهم لن يجدوا مثلها في مهجرهم"، بحسب ما يذكر حنا نقلاً عن أجداده. وفي الوادي، حيث تمتد المحال التجارية، والبيوت من طبقات عدة اليوم، كان التوسع يجذب انتباه السلطات التشيلية، التي بدأت تقديم التخديم للحي. 

 

حي السماعنة - التشيلي (ناصر السهلي/العربي الجديد)

ولا يخفي أهل "حارة السماعنة" في سانتياغو "قلق طبقة تجار سانتياغو التشيليين من الوجود الفلسطيني، مخافة المضاربة عليهم، وجرت اجتماعات كثيرة معهم، بعد أن تبين لهم أن الناس هنا لم يأتوا ليأخذوا رزق أحد بل ليؤسسوا حياة جديدة". 
تلك الرحلات التي كان يطوف فيها لأيام شباب من بيت جالا على قرى التشيليين، في جبالها ووديانها، بعضهم تاركاً خلفه أسرته الصغيرة، التي تقيم فيما يشبه "الخان" في بلاد الشام، حيث تخزن البضائع ويقطن في الطبقة الأولى السكان، ساهمت في انتقال أهالي الحي من حالة فقر شديد، مع بداية الهجرة، إلى وضع أفضل. فحول بعضهم غرفة إلى ما يشبه "دكاناً" يعرض فيه بضاعته بدل الترحال بعيداً عن الأسرة. انخرطت النساء في التجارة أيضاً، وبدأ فلسطينيو الحي يتوسعون للاستقلال أكثر في صناعة نسيجهم بأنفسهم. فُتحت على مقربة من حي باتراناتو الشهير بالتجار الفلسطينيين مصانع نسيج. وفي حارة السماعنة "كان آخرون يشترون، ولو بالديون، ماكينات حياكة ملابس بعد شراء الأنسجة من تلك المصانع، لتعرض في الدكاكين المتواضعة".
في التجوال داخل الحي تثير انتباهك كنيسة بناها أهالي المهجر الفلسطيني الأوائل. ويشير قاطنو حارة السماعنة إلى أنه "لم يكن سهلاً في البداية أن تعلن أن هذه كنيسة، فقوانين تشيلي القديمة كانت تمنع غير أتباع الكاثوليكية من بناء دور عبادتهم بالشكل الذي هو عليه اليوم". ويشرح أحد المحامين من أصل فلسطيني ومن الحي نفسه، دييغو خميس، أن "البناء جرى في داخل العقار، ولم تكن للكنيسة واجهة كما هي عليه اليوم، فقد تطورت القوانين المتعلقة بحرية الأديان، فصرت ترى كنائس غير كاثوليكية ومساجد تبنى بدون تعقيدات الزمن الأول". وبالفعل نقرأ على مدخل البناء عبارة بالعربية تشير إلى "كنيسة الروم الأرثوذكس". 
في الشوارع المحيطة، تنتشر محال تجارية مختلفة، بعضها يقف فيها كبار سن فلسطينيون وأخرى موظفون من جنسيات تشيلية ومهاجرة. وفي المكان المتوسع أكثر فأكثر تبرز محال تجارية في واجهتها ما يشبه متاحف صغيرة عن ماكينات حياكة قديمة استعملها أوائل الفلسطينيين في الحي، قبل أن تتطور مصانعهم خارج المكان وفيه. ففي أفنية بعض العمارات، يمكن سماع ضجيج آلات النسيج والحياكة، ولا يغيب العلم الفلسطيني ولا الكوفية لا في داخلها ولا عن واجهاتها، حتى المطاعم والمقاهي والمخابز المنتشرة، وبعضها متخصص بخبز "الكماج الفلسطيني"، لا تغيب عنها الأسماء الفلسطينية، وبينها بيلين وبيت لحم وبيت جالا.

المساهمون