جيمس كِنْت و"الأعقاب": جماليات القبح

07 أكتوبر 2019
الصورة
"الأعقاب": البحث عن خلاص (الملف الصحافي للفيلم)
في فيلمه الجديد، "الأعقاب" (2019)، اشتغل الأميركي جيمس كِنْت (1962) جماليًا على القبيح أو الذميم أو الشاذ أو الهجين، أو غيرها من الأوصاف المشابهة، ووضعها في إطار فنيّ جماليّ. فهو "يروي" مَشَاهد الخراب في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، بما عرفته هذه المرحلة الحرجة من ارتجاجات وشروخ في كيان النظام العالمي، بين الكتلة الشرقية بزعامة الاتحاد السوفييتي، والكتلة الغربية بزعامة الولايات المتحدة الأميركية. بالإضافة إلى ما شهدته تلك الأعوام من اختلافٍ في حدّة المواجهة بين الطرفين، في الحرب الباردة والتعايش السلمي، الذي أفضى في النهاية إلى انهيار المعسكر الشرقي، وبزوغ بوادر نظام عالمي جديد، يقوم على تدخّل هيئة الأمم المتحدة لحلّ نزاعات العالم، كما يظهر ذلك بشكل جلي وواضح في السينما الأميركية مثلاً، وأفلام أخرى تناولت الحدث نفسه. 

في هذا السياق التاريخيّ، المضرّج بالدم والألم والخيانة في ألمانيا 1946، أي بعد انتهاء الحرب بعام واحد، تدور أحداث "الأعقاب"، المُقتَبس عن رواية للويلزي ريديان بروك (1964) بالعنوان نفسه (The Aftermath)، صدرت بالإنكليزية عام 2013: تعود رايتشل مورغان (كيرا نايتلي) إلى زوجها لويس (جيسون كلارك)، في فصل الشتاء، وتلتقيه في المدينة الألمانية هامبورغ، المُقيمة على أطلال الحرب وخيباتها، لما شهدته في ذلك الوقت، بكونها أكبر المدن الصناعية والتجارية المعرّضة لخسائر كبيرة جدًا بعد برلين. في هذه المدينة، يعمل لويس، العقيد البريطاني المكلّف من السلطات العليا البريطانية بإعادة بناء المدينة مجدّدًا. لكن، بمجرّد استقرارها في البيت، تبدأ مشاكلها اليومية، فهي غير مرتاحة، بسبب مشاركة المنزل مع المالك الألماني السابق، وابنته المضطربة نفسيًا.

في جوّ كهذا، مشحون بالغبن وجهل اللغة الألمانية وعدم التأقّلم في البيت، يطغى الألم والحبّ والمشاعر الدفينة، ويصبح العيش أشبه بحلمٍ مُرعب، تعيد رايتشل معه التفكير في علاقتها بزوجها، فتخونه مع المالك الألماني، ستيفان لوبرت (ألكسندر سكارسغارد)، المُعجبة به.

يشتغل القبح في الصورة كبنية فنية، تهدف إلى تهديم صيغ توليف مفهوم الجمال في السينما. كأن جيمس كِنْت يتعمّد مسح مفاهيم جمالية مُستساغة، بالكشف عن فداحة الواقع، وصقيع الذاكرة والتاريخ، لفهم العالم من جوانبه البشعة والهجينة. رحلة سينمائية جديدة تكاد لا تخلو من اكتشافات فنية، أضاءت بقوّة معالم "الأعقاب" بطريقة غير معهودة سابقًا، فأتيحت له إمكانات غنيّة على مستوى جماليات الصورة، بأنماطها وتجلياتها المختلفة، رغم برودة السيناريو وهشاشته في بعض المَشاهد. لكنّ الأداء الجيد لشخصية رايتشل، وحركاتها الفنية وتعبيراتها الجسدية، قلّص من حدّة المشهد وبرودته، فجعلته أحيانًا يأخذ أبعادًا فنية وتأويلية أخرى.



هذه إحدى الصفات المميزة لكيرا نايتلي، إذْ تُثبت دائمًا قدرتها على فهم السيناريو، فتتملّكه، ثم تجسّده بطريقة حقيقية، كما يظهر في أفلام صعبة عديدة، أدّت فيها أدوارًا فنية مختلفة ومركّبة.
للتاريخ في الفيلم ميسم خاص، لكنّه لا يشتغل كموضوع رئيسي محرّك للسرد، إذْ لا يعدو كونه فضاءً ومسرحًا للأحداث، وتذويبها في بنية فنية وجمالية تقوم على تخييل الموضوع وسرده بطريقة روائية، تتوالى فيها المَشاهد بدقّة محبوكة، تشي بالفتنة التي مارستها الرواية على المخرج، فانصاع لسردها.

لكنّ سؤالاً يُطرح: هل يُحافظ المخرج جيمس كِنْت على كُنه العمل الروائي وروحه، أم أنّ التدخّل فيه يُصبح ضرورة ملحّة، فيُضيف المخرج من خياله إلى خيال الروائي، ويدفع النص إلى مداه وأفقه الجماليين المنشودين؟ هذه المسألة تشكّل جوهر العلاقة الملتبسة بين السينما والأدب، من دون تناسي أنّ هذه العملية تسلب من المُشاهد حقّه في التأويل والتخيّل والحلم بطبيعة الشخصيات ومشاعرها وأزمنتها وأمكنتها، التي تعيش فيها، وبالتالي يفقد النص روحه، وتندثر شخوصه الحقيقية، لتحلّ محلّها شخصيات أخرى من صنع المخرج، الذي يغدو خياله "قيصريًا" في حقّ مخيّلة المُشاهد.

ذات يوم، تساءل غبريال غارسيا ماركيز (1927 ـ 2014): "هل تعرفون لماذا لم أقبل أن تُنقل "مئة عام من العزلة" إلى السينما؟ لأنّي، ببساطة، أريد احترام مخيّلة القارئ، أعني حقّه السامي في تخيّل وجه الخالة أورسولا، أو وجه الكولونيل، كما يشتهي".

مع ذلك، فإنّ اقتباس "الأعقاب" ناجح، لأن جيمس كِنْت استطاع المحافظة على صدق فيلمه وحقيقته، الظاهِرَين بشكلٍ جليّ، والواصِلَين ببراعة إلى المُشاهد. فهل يدفع الفيلمُ المُشاهِدَ إلى البحث عن النص الروائي، لقراءته؟