جيل من الضباع الضارية

15 سبتمبر 2019
في المغرب صار لدينا جيلٌ يُخوّف بأفعاله الشائنة وسلوكاته القبيحة التي تشير إلى أننا أمام فئة عمرية زائغة عن سكّة الصواب والرشاد، ولا يمكن كبح جماح تصرفاتها إلا بشقّ الأنفس، وهذا التسيّب يُعزى إلى فشل دور التنشئة الاجتماعية سواءً الأسرة أو المدرسة أو الشارع في تربية هذا الجيل العصبي الخارج عن الخدمة والإرادة والذي صار ديدنه العنف والعربدة دون أن يرف له جفن من هذه الأفعال التي أصبحت تقوده إلى الأسوأ؛ والكثير من الناس المحسوبين على الأجيال السالفة البعيدة تستغرب أيّما استغراب من هذا التحول المفاجئ في السلوكات التي تعتري هذا الجيل الحالي الذي أضحى لا يكترث لأي شيء مهما كانت نتائجه وعواقبه.

هذا الخلل والعطب الأخلاقي الحاصل في أغلب هذا الجيل قد يكون مردّه بشكل كبير إلى الأسرة التي لم تعد قادرة على القيام بدورها المنوط بها، بحيث صارت فاشلة في تربية الأبناء وأصبح هناك تقصيرٌ ذريع بهذا الشأن وتهاون وتساهل من طرفها بالإضافة إلى التعامل بدلالٍ مبالغ فيه، لا سيما في مرحلة المراهقة التي تبقى فترة فاصلة وحاسمة في حياة الأبناء، فإذا مرّت بسلام وتمّ التصرف من لدن الأسرة بحزم وكاريزما حتى ترسو سفينة المراهقة بأمان فهذا هو المبلغ والمقصد، وإذا كان هناك عدم المبالاة وغض الطرف عن التصرفات الطائشة التي تصدر في هذه المرحلة عن الأبناء فالكارثة قادمة بلا شك، وثمّة العديد من الأسر المغربية تتعامل مع أبنائها بنوع من الغنج الزائد عن حده، حتى صار هناك تهتّك وانحلال في أخلاقهم وآدابهم، ممّا أدّى إلى تسيب وفوضى عارمة داخل ذواتهم، حيث أصبحنا نشاهد شباباً عصبيا ثائرا وهائجا دون داعٍ أو سبب قد يجعلهم يتصرفون بنرفزة وهيجان، فصرنا نرى ونسمع عن ارتكاب جرائم فظيعة وشنيعة في حق الأصول.


المدرسة أيضاً غابت بشكل كبير عن دور التربية لا سيما في العقود القريبة، حيث صار التلاميذ يقصدونها من أجل الترفيه والتسلية وتزجية الوقت برفقة أترابهم في الفصل، لأن الدولة نزعت تدريجيا هيْبة المعلم والإطار التربوي، حتّى صار التلميذ هو القابض على زمام أمور العملية التعليمية داخل المدرسة، فكم من تلميذٍ أخرج سيفه من غمده أو بالأحرى من حقيبته المدرسية وطرد الأستاذ شرّ طردة تحت سيلٍ من التصفيقات المشجعة لهذا العمل البطولي في نظرهم، والمكان المناسب لهذا النوع من التلاميذ هو العنبر وليس الفصل، وحينما يتم عرض هذا التلميذ على لجنة السلوك والمواظبة ويتم توقيفه، تخرج لك جمعيات حقوقية تحشر أنفها في إدارة عمل المدرسة، بإعادة التلميذ إلى مدرسته وإلا سيلقى المدير توبيخاً أو عقوبة، لأن التلميذ المبجل كان مزاجه في ذلك اليوم خاسرا، وعلى المدرسة أن تراعي أمزجة تلاميذها المتقلّبة، وبهذه العقلية الناقصة والمريضة نتج تغييب دور المدرسة الرّادع والزاجر.

أما الجامعة فصارت ملاذاً مثيراً لجيلٍ يريد أن يستريح من عبء وتعب سنوات المدرسة التي قضاها رغما وعنوة منه، فأصبح الطالب في جبّة تلميذ مراهق لا زال يبحث على أمورٍ تافهة وخِسّيسة داخل الحرم الجامعي، بالإضافة إلى رغبته الجامحة في الغش أثناء الامتحانات، وإذا تم منعه ينتفض في وجه الجميع ويغادر القاعة غاضباً مزمجراً حانقاً على الدولة والجامعة؛ ففي بعض مدّرجات الكلية بإحدى المدن يتم فرقعة قنابل عاشوراء داخل القاعة وإبّان الحصة، كأن الطلبة في موسم "الفانتازيا" وليسوا في موسمٍ جامعي أكاديمي، وحين تُختم السنة تَخرج إحصائيات تشير إلى النقص المهول في الدراسات والبحوث الأكاديمية، وهذا هو مبعث الضحك على الذقون.

الشارع له دورٌ كبير في التنشئة الاجتماعية سواء بالإيجاب أو السلب فقديما كان لنا جيل جميل ووديع، ووداعته تكمن في أن الشارع كان يربّي بشكل سليم إسوة بالأسرة التي تسهر على ذلك، بحيث كان ذلك الجيل مبعث ثقة وأمان، فالجيران كانوا كالإخوة يتشاطرون الحلوة والمرّة فيما بينهم، وكانت يد العون ممدودة في أي ظرفٍ كان، والأبواب مفتوحة على مصراعيها ولم تكن هناك حواجز بين الجار والأخر، أما التربية فكانت عامل مشترك بين الكل هذا يربّي ابن جاره وتلك تُرضع ابنة جارتها حتى تعود من العمل وهكذا.

أما الشارعُ اليوم فقد صار مفزعاً ومرعبا كالبُعبع الذي كان يخوّفوننا به حينما كنا صغاراً، حيث لم يعد يلعب ذلك الدور الإيجابي في عملية التنشئة، بل العكس هو الذي صار سارياً، فهؤلاء العرابدة والقطّاع والعصابات الإجرامية هم نِتاج أفول الشارع عن العملية التربوية؛ ففي عاشوراء الأخيرة أصبحت بعض المدن كأنها ساحة الوغى حيث الفوضى العارمة التي عمّت الأحياء والأزقة من خلال النيران التي يضرمها هذا الجيل الطائش في إطارات السيارات والشاحنات ثم يظلون يجوبون بها الشوارع ذهابا وإيابا حتى منتصف الليل، ناهيك عن الصباح الموالي حيث التّرامي بالمياه المختلطة ببعض المواد الخطرة، ورشق المارّة بالبيض الفاسد.

في الرباط مؤخرا تمّ التعاقد مع شركة جديدة للحافلات التي قدّمت لساكنة العاصمة أسطولا حديثا وجديدا من المواصلات العامة يليق بمقامها، لكي يتمكنوا من التنقل عبر المدينة بأريحية، لكن للأسف سرعان ما تمّ تهشيم هذه الحافلات من طرف جيلٍ فاسد نشأ على تخريب كل شيء يجده أمامه.

أما حينما تكون مستمتعاً بالجلوس في مقهى عام، وأنت تحتسي قهوتك وتقرأ جريدتك، حتى تُفاجأ بشخصٍ هائج يحمل ساطوراً، ويشرع في سلب ونهب الجالسين هواتفهم وأشياءهم، وبعد أن يظفر بغنائمه يطلق ساقيه للريح، كأنّك تشاهد الكاميرا الخفية أو بالأحرى الحقيقية على البث الحصري.

أما إذا كنت تتجول في الأسواق والأماكن المزدحمة فما عليك إلا أن تُبقي يدك في جيوبك وتظل تتحسّسها وتتفقّدها بين الفينة والأخرى وإلاّ فوجئت بالفراغ عندما ترغب في دفع ثمن شيء ما، فهذا الجيل بارعٌ في رياضة خفّة اليد.

مهما يكن من أمر، فإن هذا الجيل هو وليد الدولة التي ساهمت بشكل مباشر أو غير مباشر في صناعته، لذلك صرنا نخاف منه ولا نقدر على نصيحته، فسياسة التهميش والإقصاء لا تنتظر منها سوى أن يصبح لك جيل من الضباع الضارية، على حد قول السوسيولوجي محمد جسوس.

دلالات