جون هيوم... مهندس اتفاق سلام إيرلندا الشمالية

03 اغسطس 2020
الصورة
حاول هيوم مراراً صناعة السلام في بلفاست (فرانس برس)

تُوفي، اليوم الاثنين، مهندس "اتفاق الجمعة العظيمة" في إيرلندا الشمالية عام 1998، جون هيوم، الاسم الذي كان دائماً في الظلال، إبان الاقتتال الدموي بين "الجيش الجمهوري الإيرلندي" الكاثوليكي من جهة والحكومة البريطانية وحزب "أولستر" البروتستانتي من جهة أخرى، بين عامي 1969 و1998. وخلال تلك الفترة، برزت أسماء عدة في الواجهة، ومعظمهم قياديون عسكريون أو ميدانيون، مثل بوبي ساندز وجيري أدامز وديفيد تريمبل، وصولاً إلى رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر، إلا أن هيوم سعى بمفرده تقريباً إلى إنهاء سبعينيات طاحنة دموياً، وثمانينيات متوترة، قبل أن ينجح في صناعة السلام التاريخي في بلفاست، منهياً نحو 30 عاماً من الاقتتال. وذكرت أسرة هيوم أنه توفي في دار للرعاية في بلدته لندنديري (تُكنى باسم ديري أيضاً)، ثاني أكبر مدن إيرلندا الشمالية، في الساعات الأولى من صباح الاثنين. وأعلن الحزب "الاشتراكي العمالي" وفاة هيوم الذي كان مؤسسه ورئيسه السابق، والحاصل على جائزة نوبل للسلام عن دوره في إنهاء العنف الطائفي الذي استمر 30 عاماً، بالتشارك مع زعيم حزب "أولستر"، رئيس وزراء إيرلندا الشمالية، في ذلك الوقت ديفيد تريمبل. وقال توني بلير، الذي كان رئيس وزراء بريطانيا وقت إبرام اتفاق السلام الإيرلندي الشمالي، في بيان يومها، إن "جون هيوم كان نجماً سياسياً ساطعاً وصاحب رؤية، ورفض الاعتقاد بأن المستقبل يجب أن يكون مثل الماضي. إسهامه في سبيل السلام في إيرلندا الشمالية كان ملحميا". كما أثنى تريمبل على مساهمة هيوم الكبيرة في عملية السلام، وقال لراديو "أولستر" التابع لهيئة الإذاعة البريطانية "بي.بي.سي"، إنه "منذ اللحظة الأولى للمشاكل، كان جون يحث الناس على الالتزام بقضيتهم سلمياً، وينتقد دائماً من لم يدركوا أهمية السلام". مع العلم أنه رغم تقاسمهما جائزة نوبل، إلا أن العلاقة بين الرجلين تردّت بعد الاتفاق، لأسباب سياسية.

حصل هيوم على جائزة نوبل للسلام بسبب اتفاق "الجمعة العظيمة"
 

ووُلد هيوم في لندنديري، متحدراً من جذور اسكتلندية من مقاطعة دونغال. درس في مدرستي القديس كولومبوس، والقديس باتريك، ثم انتقل إلى جامعة إيرلندا الوطنية، حيث درس اللاهوت بهدف أن يصبح كاهناً. لكنه اختار لاحقاً التعليم، ثم أسس اتحاداً ائتمانياً لمساعدة أهل منطقته. وانضمّ إلى حركة الحقوق المدنية في الستينيات، وبات نائباً في برلمان إيرلندا الشمالية بين عامي 1969 و1972 (حين كان البرلمان مستقلاً) وبين عامي 1983 و2005 (كان نائباً ممثلاً لإيرلندا الشمالية في مجلس العموم البريطاني)، ونائباً أوروبياً بين عامي 1979 و2004. شارك هيوم في إضراب عن الطعام لمدة يومين في أكتوبر/تشرين الأول 1971، احتجاجاً على اعتقال مئات من عناصر "الجيش الجمهوري الإيرلندي" من دون محاكمة. باشر مهامه السلمية بين الحكومة البريطانية و"شين فين" (الجناح السياسي للجيش الجمهوري الإيرلندي) في عام 1985، ونجح في الحصول على توقيع تاتشر ورئيس الوزراء الإيرلندي في ذلك الحين، غاريث فيتزجيرالد، لتهدئة الوضع في إيرلندا الشمالية، لكن الاتفاق فشل، بسبب رفض "أولستر" رعاية دبلن لأي اتفاق، لأن "الخلاف في إيرلندا الشمالية شأن داخلي ومرتبط ببريطانيا"، بينما رفضه "الجيش الجمهوري الإيرلندي" لعدم اقتناعه بالبقاء في ظل السيادة البريطانية، وفقاً للاتفاق. لكن هيوم لم يستسلم، وواظب على الدفع باتجاه السلام إلى أن حصل عليه في 10 إبريل/نيسان 1998. بعدها بدأ هيوم يتراجع عن الواجهة، ليختار التقاعد في 4 فبراير/شباط 2004، لكنه استمر في إلقاء بعض الخطب، سواء في جامعة "سيتون هول"، في نيوجرزي ـ الولايات المتحدة، عام 2005، أو في المجلس الأوروبي في ستراسبورغ ـ فرنسا، عام 2006، أو جامعة القديس توما، في نيوبرونسويك ـ كندا، عام 2007. وترأس أيضاً نادي ديري لكرة القدم. مع العلم أنه كان يرى القومية "قوة متدهورة"، فسعى لفكرة توسيع الحكم الذاتي إلى إيرلندا الشمالية مع تقسيم السلطة بين المجموعات التي تشكلها. ومن أقواله "إيرلندا ليست حلماً رومانسياً، إنها ليست علماً، إنها شعب من 4.5 ملايين نسمة (8.5 ملايين اليوم: 6.5 ملايين في إيرلندا، ومليونين في إيرلندا الشمالية) منقسم إلى تقليدين قويين. لن يتم إيجاد الحل على أساس انتصار أي منهما، ولكن على أساس الاتفاق والشراكة بينهما. إن التقسيم الحقيقي لإيرلندا ليس خطاً مرسوماً على الخريطة، ولكن في عقول وقلوب شعبها".

(العربي الجديد، رويترز، فرانس برس، أسوشييتد برس)