جون لينون ويوكو أونو: كأننا التقينا لنكتب هذه الأغنية

23 يوليو 2019
الصورة
وجد لينون في أونو ملهمةً تحرّره من الماضي (Getty)
عاد البيتلز إلى بقعة الضوء هذا العام بعد صدور فيلم "البارحة" (Yesterday) الذي يفترض فيه المخرج داني بويل شكل العالم من دون موسيقى البيتلز، والجهود المبذولة في سبيل تذكير الناس بهم. وفي ذات السياق، بثت قناة أرتي فيلماً وثائقياً بعنوان "جون ويوكو" من إخراج مايكل إيبستاين، نشاهد فيه صوراً تعرض للمرة الأولى لـ جون لينون ويوكو أونو بعد انفصال البيتلز، ومتابعة جون مسيرته الفنيّة لوحده، وإصداره ألبومه الفردي "تخيّل" عام 1971.
يأخذنا الشريط في 90 دقيقة من الذكريات الحميمية لجون ويوكو، بعد أن قرّر لينون ترك لندن والعيش في منزل في الريف، إذ نشاهد حياتهما اليوميّة، وكيف يقضيان صباحاتهما في السرير، يقرآن ويعزفان الموسيقى، ثم مخطط لينون لبناء استوديو خاص به في المنزل لتسجيل ألبومه المنفرد. وخلال النصف الأول من الفيلم، لا تُذكر يوكو، نراها في الخلفية فقط، دائماً بجانب جون الذي يحاول تسجيل "تخيّل" وتردده تجاهها، بل حتى إنه سأل واحداً من أصدقائه بعد أن سمع نسخة خاماً من الأغنيّة: "هل هي جيدة؟".
نشاهد في الفيلم مكانة يوكو لدى لينون، خصوصاً أنها اتهمت بسرقته من البيتلز والشعب البريطاني، وحولته إلى شخصيّة مكروهة، بعد أن أعاد وسام الامتياز البريطاني للملكة، احتجاجاً على مشاركة بريطانيا في الحرب الأهلية النيجيريّة ودعمها حرب فيتنام، ليصبح لينون ناشطاً سياسياً وفناناً يحاول التحرر من إرثه الشخصي، كما في كلمات واحدة من أغنياته الفردية التي يتهكم فيها من بول مكارتني وأغنية "البارحة"، بوصفها ماضياً لم يعد حقيقياً، ومجرّد حلم فقد معناه.
ألبوم "تخيل" أشبه برحلة انعتاق يمر بها لينون، يتحرر من البيتلز ليصبح فناناً منفرداً، وهذا ما نراه في لقائه العفوي مع كلاوديو، واحد من معجبيه الذي قرر زيارته، وسبق له أن شارك في حرب فيتنام وهرب من مصحّ في سان فرانسيسكو لمقابلة لينون الذي يعامله بلطف ووديّة، إذ يُخبر لينون المقاتل السابق الذي يرى فيها مخلّصاً أن كلمات أغنياته لا تعني شيئاً، هي "مجرد لعب بالكلمات" ومحاولة جعلها ذات معنى، كما أنه لا يقصد أي أحد في ما يغنيّه، وكأن في ذلك شهادة لفظيّة على لسان لينون، بأن ما مضى ليس إلا تلبية لرغبات الجمهور، ولا يمتلك لينون معناه، بل الناس، ليقف كلاووس مشدوهاً أمام لينون الذي يضحك بعفويّة، وأونو التي تقول إن هناك بعضاً من كلماتها في الأغنيات.
علاقة لينون بأونو تتضح في الفيلم، خصوصاً أن صورتها التقليدية تلخص أنها شخص غريب، أجنبي، لا يعرفونه، فنانة يابانيّة مفاهيمية تعيش في نيويورك، صدمت الجمهور في حفل تورانتو حين زعقت لساعة على الخشبة، أمّا أعمالها فهي دوماً ناقصة حسب تعبيرها، ما جعل لينون يجد فيها ملهمةً، وتحرراً من الماضي لإكمال ذاته، وهنا تأتي أغنية "تخيّل" بوصفها جهداً بذله الاثنان معاً لإنجازها، فـ لينون يرتجل الكلمات ويعزف على البيانو وهي تكتبها، لنراها في الفيلم تقول: "وكأننا التقينا لنكتب هذه الأغنيّة"، خصوصاً أن فترة حرب فيتنام أثرت على الجميع، في بريطانيا تحديداً، لتأتي الأغنيّة كدعوة للجميع ليعيشوا بسلام. دعوة شاركته بها أونو التي شهدت الحرب العالميّة الثانيّة وتشردت وأسرتها بسببها.
في نهاية الفيلم، نشاهد كيف سافر الاثنان إلى نيويورك، وهناك انتشرت إعلانات عن معرض لأونو في متحف الفن المعاصر، ليصل الناس إلى المتحف حائرين كونه لا يوجد أي معرض، لتصف أونو ذلك بقولها "المعرض في عقلي"، وكأن هذا المعرض، كما الأغنية، عتبة نحو المخيلة، واستكشاف لما في دواخلنا كي نتحرر ونبني شكلاً مثالياً للعالم.

الشهادات التي يحويها الفيلم والتي تتضمن موسيقيين وصحافيين، وجوليان لينون (نجل جون ويوكو) تخبرنا عن جانب خفي للزوجين، مختلف عن ذاك الذي نراه عادة حين تحيط بهما جموع المحبين، والذي يقول جوليان إنه صادر منهم الكثير كأسرة، لتكون إقامتهم بعيداً عن "الجميع" أشبه بمساحة للاكتشاف الذاتي واللعب الطفولي، مساحة للتركيز على ما هو مهم، الأسرة والفن، بوصف الأخير خلاص الاثنين، وخلاصاً للجميع إن تبنوه.

دلالات

تعليق: