جون بول ستيفنز... قاضٍ أميركي يشكّك بوجود شكسبير

09 سبتمبر 2019
الصورة
بقي ستيفنز في منصبه حتى 2010 (دايفد كينيرلي/Getty)
يعين أعضاء المحكمة الأميركيَّة العليا (Supreme Court) مدى الحياة من قبل الرئيس، وبموافقة مجلس الشيوخ. أخيرًا، توفَّي جون بول ستيفنز عن 99 عاماً، وهو أحد قضاة هذه المحكمة، إذ بقي في منصبه منذ عام 1975 حتى عام 2010، حين تقاعد طوعياً. 

عيّن الرئيس الأميركي، جيرالد فورد Gerald Ford، ستيفنز، كونه رجل قانون مُميزاً، ومقاتلاً سابقاً في الحرب العالميّة الثانية. لن نخوض في حياة ستيفنز وآرائه المحافظة ونزعته الوطنيّة. لكن ما يثير الاستغراب، هو مراسلاته التي نشرت مؤخراً مع، جيمس. س. شابيرو James S. Shapiro، مُدرّس المسرح الشكسبيري في جامعة كولومبيا، وصاحب كتاب "شكسبير في أميركا المقسومة".

بدأ الأمر، حين أرسل ستيفنز عام 2011 رسالة إلى شابيرو، يخبره فيها عن رأيه بكتابه "Contested Will: Who Wrote Shakespeare?" المنشور عام 2010، والذي يناقش فيه شابيرو سبب الالتباس حول هوية شكسبير، والادعاءات حول حقيقة تأليفه مسرحياته.
وبعد أشهر من المراسلات، يكشف لنا شابيرو عن هوس ستيفنز بنظرية المؤامرة حول حقيقة شكسبير. إذ يرى القاضي أن شكسبير كان أمياً، لا يقراً ولا يكتب، ولا وجود لأي كتب في منزله، بل حتى توقيعه لاسمه مشكوك به. هذه الحجج التي يقدمها ستيفنز ليست وليدة مصادفة، كونه أنجز محاكمة وهميّة عام 1987 لنصوص شكسبير، يدّعي فيها من وجهة نظر قانونيّة معاصرة، أن شكسبير لم يكتب نصوصه، بل قام بذلك لورد أوكسفورد السابع عشر، إدوارد دي فيري Edward de Vere 17th Earl of Oxford، متجاهلاً أن الأخير مات عام 1604، وشكسبير مات عام 1614. إذ ظهرت مسرحية "ماكبث" عام 1606 و"العاصفة" عام 1611.

تتتالى المراسلات بين الاثنين، ويستعرض فيها ستيفنز حججه التي تصل إلى حدّ السخف، حسب تعبير شابيرو. فقاضي المحكمة العليا، يتجاهل كل الدلائل القانونية والوثائقيّة، إذ إن تعدد توقيعات شكسبير على مسرحياته لا يعني أنه لم يكتبها، لأنَّ رسائل ستيفنز نفسها يوقعها أحد موظفيه. ويعتبر ستيفنز غياب أي أثر أو وثائق لشكسبير في مكان إقامته، مع أنه كان أشهر كاتب حينها، دليلاً على عدم كتابته مسرحياته. ولكنّ هذا خطأ أيضاً، لأنَّ شكسبير أصبح مشهوراً بعد مئة عام من وفاته.

ولكن أكثر حجَّة واهية يعتمدها ستيفنز هي بناؤه لرأيه اعتمادًا على كتاب "هوية شكسبير" المنشور عام 1920، من تأليف البريطانيّ J. Thomas Looney جاي توماس لوني، إذ ينفي لوني أنَّ شكسبير هو كاتب المسرحيَّات، وينسبها أيضاً للورد أكسفورد السابع عشر إدوارد دي فيري، مستخدماً حججاً ذات نزعة وطنيّة ومضادة للديمقراطيّة، ولا تنتمي للعلم أو القانون، كقوله إن "إبداعاً" كهذا لا يمكن أن يخرج من واحد ينتمي لعامة الشعب، وغيرها من الحجج الواهية التي يتبناها ستيفنز.

الحكاية السابقة والمراسلات، تدفعنا للشكّ في أسلوب ستيفنز نفسه، وآلية عمله قاضياً ومشرّعاً. فكيف له أن يقرأ أدلة معيَّنة، ويتجاهل أخرى جوهريّة، لينتهي به الأمر مؤمناً بنظرية المؤامرة. وفي ذات الوقت، كيف يمكن الثقة بآرائه حول القضايا الجديّة الماضية، خصوصاً تلك التي تتعلق بحرية التعبير، كونه واحداً من الذين ساهموا بمنع المواد الإباحيّة، بوصفها لا تنتمي للفنّ في ولاية ديترويت في السبعينيات، فبرأيه لا يمكن وضع البورنو تحت بند حريّة التعبير. لكن مشكلة ستيفنز أكبر من ذلك، وترتبط بمفهوم نظرية المؤامرة نفسه، والذي يعمي الفرد عن المنهج العلميّ، إذ تُستبدل المعارف المتراكمة بالآراء الشخصية أو تلك الغريبة القائمة على المصادفات التي يدعمها الغرور الشخصيّ.

أميركا ترامب تهدد العالم بأكمله، سياسات ضد المهاجرين، انسحاب من مؤتمر المناخ، إنكار للاحتباس الحراري، والأهم هو إيقاف حركة التاريخ وتعريفاته، كانتقاد حركات إزالة التماثيل العنصريّة، بوصفها تنفي التاريخ الوطنيّ، والذي يجب الاحتفاء به حتى لو كان رموزه عنصريين ومرتكبي مجازر، وهنا تكمن خطورة نظريّات المؤامرة، لا بمحتواها، بل بالعقلية التي أنتجتها، والتي قد تتسلل للمساحات الجديّة التي ترتبط بالقرار السياسيّ.

دلالات