جولة عادل عبد المهدي: محاولة عراقية لإثبات الحياد الإقليمي

04 ابريل 2019
الصورة
جولة عبد المهدي تبدأ خلال الأسبوعين المقبلين(أحمد الرباعي/فرانس برس)
+ الخط -
يستعد رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي للقيام بأوسع جولة خارجية له منذ تسلمه السلطة في نهاية شهر أكتوبر/ تشرين الأوّل الماضي، تشمل عدداً من دول المنطقة، أبرزها إيران والسعودية وتركيا، ويرافقه فيها فريق وزراء ومستشارين سياسيين، وفقاً لما أعلنه عبد المهدي في مؤتمر صحافي عقده الثلاثاء في بغداد، وذلك بعد زيارة يتيمة له إلى القاهرة عقد خلالها اجتماعاً مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والعاهل الأردني عبد الله الثاني، في قمة ثلاثية جمعتهم في العاصمة المصرية نهاية الشهر الماضي. ويأتي ذلك فيما تدخل حكومة عبد المهدي شهرها السادس من دون وزراء للدفاع والداخلية والعدل والتربية، بسبب خلافات حادة بين المعسكرين الرئيسيين السياسيين: "البناء" الذي يتصدّره نوري المالكي وهادي العامري، و"الإصلاح" الذي يعتبر مقتدى الصدر وحيدر العبادي وعمار الحكيم وإياد علاوي أبرز رموزه.

واستدرك عبد المهدي الإعلان عن جولته بالقول إنّ "كل شيء يعتمد على الوضع الداخلي في البلد"، في إشارة إلى أنّ مواعيد جولته الخارجية التي قال إنها ستكون خلال "الأسبوعين المقبلين"، غير نهائية، وقد تتأجّل في حال طرأ شيء داخل بلده، خصوصاً في ظلّ الاحتمالات بتوصّل القوى السياسية إلى اتفاق بشأن الوزارات الشاغرة، ما يجعل رئيس الوزراء رهين انعقاد جلسة البرلمان للتصويت على هذه الوزرات قبل شروعه بأي نشاط آخر. وذكر عبد المهدي أنّ جولته في المنطقة ستليها زيارات أخرى إلى باقي دول العالم، ستكون سريعة جداً، حتى لا نغيب كثيراً عن البلاد"، على حد تعبيره.

ويأتي ذلك في وقت استقبلت فيه بغداد منذ مطلع العام الحالي أكثر من 20 وفداً عربياً ودولياً ضمّ رؤساء ومسؤولين ووزراء، أبرزهم العاهل الأردني عبد الله الثاني، والرئيس الإيراني حسن روحاني، والرئيس الفلسطيني محمود عباس، ورئيس الوزراء الإيطالي جوزيبيه كونتي، ورئيس مجلس الأمة الكويتي مرزوق الغانم، ورئيس البرلمان اللبناني نبيه بري، ووزير الدفاع الأسترالي كريستوفر باين، ووزيرا الدفاع والخارجية الأميركيان باتريك شاناهان ومايك بومبيو، ووزيرة الجيوش الفرنسية فلورنس بارلي، ووزير شؤون الشرق الأوسط في الخارجية بالبريطانية أليستر بيرت، ووزير خارجية النرويج إينه إريكسن، والمبعوث الخاص للرئيس الإندونيسي لشؤون الشرق الأوسط علوي شهاب، ووزير الطاقة والصناعة السعودي خالد عبد العزيز الفالح، ووزير التجارة القطري حمد الكواري.

وأمس الأربعاء، وصل وفد سعودي رفيع المستوى إلى بغداد يضم نحو 90 شخصية، للمشاركة في أعمال الدورة الثانية لمجلس التنسيق السعودي العراقي. ويترأس الوفد وزير التجارة والاستثمار ماجد بن عبد الله القصبي، ويضم وزراء الثقافة والبيئة والطاقة والصناعة والتعليم وشؤون الخليج العربي، إلى جانب ممثلين عن هيئات ومؤسسات ممثلة للداخلية والخارجية والمالية والإعلام والاستثمار والتعليم ومؤسسة النقد العربي السعودي والاستخبارات والصندوق السعودي للتنمية ورئاسة أمن الدولة. إلى ذلك، ذكرت مصادر عراقية سياسية وأخرى حكومية في بغداد، أنّ الجولة الخارجية لعبد المهدي تأتي بناءً على دعوات سابقة تلقاها الأخير من دول عربية وإقليمية وأجنبية مختلفة، وأنه اختار أكثرها أهمية للعراق.

وفي السياق، قال مسؤول في الأمانة العامة لمجلس الوزراء في بغداد، إنّ جدول زيارات عبد المهدي سيشمل إيران والسعودية، ثمّ تركيا ودولاً خليجية عدة، أبرزها الكويت، نافياً في اتصال هاتفي مع "العربي الجديد" أن تكون سورية من بين الدول التي سيزورها عبد المهدي. وأشار المسؤول ذاته إلى أنّ عدداً من الوزراء وفريقاً استشارياً باشروا بتجهيز الملفات التي يرغب العراق في فتحها مع تلك الدول، وأغلبها ذات طابع اقتصادي وتعاون مشترك، خصوصاً مع الدول الحدودية الثلاث مع العراق، إيران والسعودية وتركيا.

وبحسب تسريبات حصل عليها "العربي الجديد"، فإنّ وزراء الخارجية محمد الحكيم، والأمن الوطني فالح الفياض، والنفط ثامر الغضبان، والمالية فؤاد حسين، والتجارة محمد هاشم، والصحة علاء العلوان، هم من بين الوزراء الذين سيرافقون عبد المهدي في جولته، إلى جانب مستشارين في ديوان الحكومة العراقية.

وسيتمّ في السعودية توقيع بعض الاتفاقيات التجارية والأمنية التي تتعلق بالحدود والتي كان قد تمّ التوافق عليها في وقت سابق، من بينها فتح المعبر البري بين البلدين، وعودة منح التأشيرات من بغداد والرياض وفقاً لضوابط يتم التوافق عليها، وملف تبادل المعلومات الأمنية، وملف الديون وضبط الحدود. وفي تركيا، ستكون ملفات المياه (دجلة والفرات)، وحزب "العمال الكردستاني"، ووجود القوات التركية في بلدات عراقية حدودية، والمساعدات المالية التركية التي أعلنت عنها أنقرة سابقاً والبالغة 5 مليارات دولار للمدن العراقية المحررة، على رأس ما سيتم بحثه.

أمّا في إيران، فسيتم الإعلان عن تفعيل عدد من الاتفاقيات التي وقعت خلال زيارة الرئيس حسن روحاني لبغداد الشهر الماضي. وفي هذا الإطار، قال سياسي عراقي في تحالف "الإصلاح"، لـ"العربي الجديد"، إنّ رئيس الوزراء سيطلب التعامل مع وزارة الخارجية الإيرانية بدلاً من جنرالات الحرس الثوري، على اعتبار أنّ حقبة "داعش" انتهت. ووفقاً للمصدر ذاته، الذي طلب عدم نشر اسمه، فإنّ الإيرانيين سينقلون فعلاً الملف العراقي من الحرس الثوري إلى الخارجية الإيرانية، كنقطة تحوّل وتغيير تعقب هزيمة تنظيم "داعش" في العراق، وبسط بغداد سيطرتها على جميع مدن البلاد، واصفاً الزيارات بالمجمل بأنها سعي عراقي لإثبات عراقية القرار واستقلاليته، وأنه لا يصطف مع محور ضدّ آخر.

من جهته، قال عضو لجنة العلاقات الخارجية والمغتربين في البرلمان العراقي، النائب علي البديري، إنّ جولة عبد المهدي "ذات أبعاد سياسية واقتصادية وتجارية مشتركة، ونريد القول إنّ العراق يتحسّن ويتعافى، وإنه قادر على استيعاب الجميع من دون القطيعة مع أحد". وأضاف البديري في حديث مع "العربي الجديد" أنّ "رسالة سياسية ستحملها الزيارة إلى السعودية وإيران والدول الأخرى، مفادها بأنّ العراق يتحرّك وفقاً لمصالحه أولاً، وهو يعلن أيضاً أنه لا يصطف مع أحد على حساب الآخر"، واصفاً العراق بأنه قادر على أن يكون حلقة وصل مستقبلية بين أطراف الأزمة في المنطقة.

لكنّ الخبير في الشأن السياسي العراقي، علاء الدهان، اعتبر أنّ جولة رئيس الوزراء العراقي بحدّ ذاتها "دليل على بقاء البلاد تدور في فلك التأثير الخارجي". وقال في حديث مع "العربي الجديد" إنّ "محاولة إثبات عدم الاصطفاف لا تأتي بزيارة السعودية وإيران وتركيا، فهذه تعتبر محاولة مهادنة للجميع، والواقع يقول غير ذلك، فالزيارات للدول المتخاصمة مع إيران لا تعني أنّ العراق بات مستقلاً، ومن السذاجة أن يتمّ التسليم بهذا الطرح من قبل الحكومة أو مستشاريها".

وأوضح الدهان أنّ عدم الاصطفاف أو إثبات عدم الانتقال لمحور على حساب آخر "تكون بالمواقف لا بالزيارات، وأهمها تحرير السوق العراقية، وتغليب مصلحة البلاد على باقي الحسابات والتوجهات الخارجية الأخرى". ورأى أنّ الحديث عن نقل الملف العراقي من الحرس الثوري وأن يكون التعامل طبيعياً كما باقي الدول في علاقاتها، "تكهنات أطلقها سياسيون وباحثون، ولم يتطرّق لها بالنفي أو التأكيد مسؤولو الحكومة أو الطبقة السياسية القريبة من طهران"، متابعاً "في ظلّ الوضع الحالي، ومع ملف وجود الأميركيين العسكري في العراق، فإنّ ذلك غير مرجّح، خصوصاً أنّ الحرس الثوري أثبت كفاءة في إدارة الملف سابقاً داخل العراق، وحتى داخل سورية أيضاً".

المساهمون