جوكر لبنان

14 يناير 2020
الصورة

متظاهرة لبنانية في بيروت تتمثل بطل "جوكر" (19/10/2019/فرانس برس)

+ الخط -
لستُ أدري إن كان المشاهد اللبناني قد شعر بما شعرتُ به أنا، عند حضور فيلم "جوكر" الأميركي، من بطولة الممثل الرائع يواكين فونيكس، وإخراج تود فيليبس. فأنا لم يُصبني موضوع الفيلم أو ديكوره أو قصّته بأي غربة، بل إنه حتى شكّل مفاجأة حلوة، إذ بدا على النقيض مما كنت أتوقعه من الأفلام التي تروي قصص الأبطال الخارقين، بما أن جوكر هو عدوّ الرجل الوطواط الشهير، مع ما ميّز أفلام الأخير من أجواء خيالية، وإنتاج هائل وديكورات ضخمة. على العكس من ذلك، اعتمد فيلم "جوكر" ميزانية متواضعة نسبيا، وسيناريو متماسكا وعميقا وديكورات طبيعية، إذ تذكّر مدينة غوثام حيث تدور الأحداث بمدينة نيويورك في السبعينيات، حيث الجدران عائمة بالغرافيتي والملصقات والرسوم والشعارات، والأجواء لا توحي بالأمان، والناس على عدائيةٍ وقسوةٍ غير مبرّرة تجاه المستضعفين والمهمّشين.
والضعيف بامتياز هنا هو آرثر فليك، المواطن المغلوب على أمره، والرجل الوحداني الذي يعيش مع والدته المريضة ويعتني بها، والمضطرب نفسيا الذي يعود كل أسبوع طبيبةً نفسيةً ستعلن له، عما قريب، أن زياراته لها ستنتهي، لأن البلدية قرّرت إيقاف برنامج الدعم، والكوميدي الفاشل الذي كان يحلم بأن يصبح شهيرا يرتقي خشبات المسرح ويحتل الشاشات، لينتهي به الحال يعمل مياوما في شركة توفّر المهرّجين لمن يطلبونهم لترويج منتجٍ ما، أو لإحياء حفلات أعياد ميلاد الصغار، أو إلى المشافي، حيث يرقد أطفال مرضى أو معوّقون يخففون عنهم ثقل العلاجات والأوجاع.
أجل، يستغرق الفيلم في وصف شخصية آرثر وحياته قبل أن يتحوّل قاتلا وراء قناع جوكر، بل إنه لا ينسب إليه أي قوة خارقة أو أدوات استثنائية للدفاع عن نفسه، ويحرمه كلَّ إحساسٍ مسبقٍ بالكره أو الحقد أو رغبة بممارسة العنف على من يحيطون به. آرثر طيّب جدا، بل إنه منزوع البراثن، ومُصابٌ بنوعٍ من المرض الذي يصيبه بضحك هستيري، لا يتمكن من السيطرة عليه، حتى حين يؤذيه ذلك ويهدّده بالموت. لطيفٌ وحنونٌ يهتم بوالدته، كما ينبغي لابن محبّ أن يفعل، لكنه لا يلاقي إلا الخيبة والاحتقار والذلّ من القريبين والبعيدين. هكذا، وتحت وطأة الظروف والأحداث فقط، يتحوّل آرثر إلى جوكر، ويبقى مع ذلك غريبا عن جوكر، الشرير المعروف الذي اعتدنا مشاهدته في الشرائط المصوّرة أو في سلسلة أفلام باتمان. بل إن سيناريو الفيلم لا يحوّله إلى "شرير كلاسيكي"، نرفضه ونذعر منه ولا نتفهّم شرّه، بما أن أفعاله ليست إلا نتيجة معاناته التي ستقوده قريبا إلى الجنون.
سوف يكتشف آرثر لاحقا أنه متبنّى، وأن والدته المضطربة عقليا تدّعي أنه الابن غير الشرعي لزعيم سياسي (والد باتمان) كانت تعمل عنده، وصولا إلى استعادة ما كانت ذاكرته قد طمسته عن كونها قد أذاقته الأمرّين في طفولته، فعذّبته ولم تعتن به، وكانت قاسية جدا معه. وهو سوف يُخذل من صديقٍ كان يدّعي حمايته، حين منحه مسدّسا للدفاع عن نفسه، وسوف يتعرّض للضرب في الشارع، ومن ثم في الميترو على أيدي شبّان متعلّمين، ويُصاب في مقتل حين يعرض نجمُه التلفزيوني الكوميدي المفضّل (روبيرت دي نيرو) عرضا فاشلا له، ساخرا منه أمام الملايين... هذا كلّه والمدينة على حافّة الجنون، تفيض بالنفايات الملقاة أكياسها وصناديقها على الطرقات وفي كل المنعطفات، والجرذان اكتسحت المدينة، والناس ووسائل الإعلام يتساءلون عن كيفية الخلاص منها، والأمن منعدمٌ والزعران فالتون على غاربهم، والمظاهرات تملأ الشوارع، والسياسيون يتلاعبون بأقدار سكّان غوثام من خلال عقد صفقات وإلقاء خطبٍ مضللةٍ، وإعطاء وعود كاذبة...
وبالعودة إلى من شاهد الفيلم من اللبنانيين تحديدا، لا بدّ أنه قد شعر نفسه عائمًا مثلي، في عنصره الطبيعي، وفي أجواء هي أقرب إلى واقعه منها إلى فيلم متخيّل. أجل، "غوثام" هي بيروت اليوم، واللبنانيون جميعا مشروع جوكر مؤجّل!