جوكر.. عن "الثورة" في غوثام

07 أكتوبر 2019
+ الخط -
ينتهي فيلم "جوكر" بفوضى في شوارع غوثام. لعلّها انتفاضة غاضبين على النظام في المدينة المتخيّلة، ولكنها، بفضل مؤثرات فنية منثورة على طول الفيلم، تبدو أيضاً مثل رقصة جماعية مليئة بالنشوة، كما تحمل ملامح تمرّد شعبي عنيف، أو تبدو كفرصة انتقام من المستفيدين من النظام، أو لعلّها بعبارة رائجة منذ سنوات في المنطقة العربية تحديداً... ثورةٌ.

بسطاء. مجرمون. مثقفون. تافهون. إلخ. لجميع هؤلاء أسباب في ارتداء قناع المهرّج والخروج للشارع. ربما يذكّروننا بمن ارتدوا السترات الصفراء، وخرجوا محتجّين في شوارع باريس في الشتاء الماضي، أو ربما يذكّروننا أكثر بمن يخرجون هذه الأيام في شوارع بغداد والقاهرة والجزائر العاصمة والخرطوم. وقد أتاح الفيلم ما لا يتيحه العرض المسطّح الذي تقدّمه نشرات الأخبار، أو العروض الجزئية التي تتيحها كاميرات الفيديو للمشاركين في هبّات كهذه.

تنتظم أوركسترا الغضب في غوثام بشكل لافت، إنها لحظة تصادمت فيها كل خيوط الحكايات التي يقترحها الفيلم.

يحضر بعضهم كي يرفع شعاراً، وبعض آخر ينتهز الفرصة للتخريب، وآخرون يجعلون من "العنف الثوري" لحظة سانحة للسرقة والنهب، وبعضهم يفرح بفرض واقع جديد من الحريات على مسمع ومرأى رجال الشرطة العاجزين، وبعضهم يركض بغير سبب ولا لأي مكان، ومجموعات تتقاتل هنا وهناك ضدّ بعضها، وهناك من هم ساهمون غير مصدّقين ما يحدث، وهناك من هم بصدد الرقص على أنغام المشهد برمّته، وذلك تحديداً ما كان يفعله بطل الفيلم، تلك الشخصية الفرعية في الحكاية الأصلية التي نحيي هذا العام عيد ميلادها الثمانين، والتي دفعت بها السينما بالتدريج لتصبح الشخصية الرئيسية في الحكاية، وربما في الواقع.

طوال الفيلم، تقطع الشخصية الرئيسية المسافة من أرثر فليك، المهرّج المحكوم عليه بالفشل، إلى "الجوكر"، رمز الشر الجديد في غوثام. تحوّلات بطيئة في بعض الأحيان، أو متسارعة في أحيان أخرى، ترسم خطاً للشخصية يبدو محكوماً بقطائع حادة، ترتسم أمامه خيارات ثم سرعان ما تنقلب إلى أبواب موصدة، ليصبح مساره في النهاية أشبه بقفز بين نقاط اللاعودة. أليس ذلك ما تعيشه الشعوب، لكن ببطء، في حين يمكن تكثيف الأمر في ساعة ونصف الساعة من المشاهدة السينمائية.


بهذا المنطق، لنا أن نقرأ "جوكر" كتفكير، قصووي ربما، في ما يعتمل في مدن العالم اليوم، إنه إضاءة على أسئلتها الخلفية التي تسكنها مثل "الجرذان العملاقة" التي تهدّد غوثام منذ بداية الفيلم ثم لا نعرف ماذا حدث معها: هل يتقاسم الجميع نفس القيم والقناعات؟ هل أن ما تحقّق من رفاهية وبُنى ثابت بحق؟ إلى أين تفضي الحلول التي يقترحها المشرفون على نظامها؟ إلى أي حدّ يمكن أن يستمر الإقصاء نحو الهامش؟ وهل هناك بدائل عن هذا الإقصاء؟ وهل توجد بدائل عن الثورة ضد هذا الإقصاء؟ وإذا لم تكن هناك بدائل، أي معنى للفعل، وأي معنى للتقييم بين خير وشر، أو بين أي متناقضين آخرين؟

دلالات