جورج بطل... رحيل أحد أعمدة الحركة الشيوعية العربية

01 سبتمبر 2016
الصورة
رحل بطل عن 86 عاماً (العربي الجديد)
+ الخط -

رحل "ختيار" جديد من رعيل الشيوعيين الأوائل في لبنان والمنطقة العربية عموماً. بهدوء، توفي جورج بطل، أحد أبرز قياديي الحزب الشيوعي اللبناني، ويوارى الثرى، السبت المقبل، في بلدته مشغرة، في البقاع الغربي (شرقي لبنان).

في الأشهر الأخيرة وقبل دخوله المستشفى، كانت لجورج بطل صفحة على موقع فايسبوك، تنشر صوراً له منذ ستينيات القرن الماضي، تجمعه بقياديين شيوعيين وعروبيين من مختلف البلدان والمؤتمرات والمهرجانات السياسية. ربما الرجل كان يستمتع بنشر تلك الصور والتفاعل مع أساليب الميديا الحديثة على الرغم من سنواته الـ86.

جاء ذلك التفاعل من دون مواقف سياسية، فقط لإنعاش الذاكرة، ومشاركة بعض لحظاتها التي لطالما كان يلجأ إليها بطل خلال جلسات يذكر فيها تفاصيل يمكن التوقّف عندها لدقّة ذاكرة الرجل، ولو أنه عندما كان يُسأل عن بعضها يتردّد في مشاركتها ولو كان المشهد حاضراً في ذهنه وكأنّه يعيشه اليوم.

يحافظ جورج بطل على ألبومات صور كثيرة في أدراج بيته في الحازمية (شرقي بيروت). كان أقرب تلك الألبومات إلى قلبه موضوعاً في درج الصالون، إلى جانب مقعده المفضّل، وألبومات أخرى موضبة في حزانة خشبيه يلجأ إليها لدى دغدغة ذاكرته بحدث ما. وفي الصالون نفسه، جلس جورج حاوي في 20 حزيران/ يونيو 2005 في لقاء أخير مع رفيق دربه جورج بطل، قبل أن يُغتال صباح اليوم التالي.

كان جورج بطل أحد أبرز وجوه الانتفاضة السياسية والشبابية التي قلبت الموازين في الحزب الشيوعي اللبناني عام 1968، إلى جانب الوجه الشيوعي الأول جورج حاوي. كاد هذا الحزب أن يُختصر باسمي "الجورجَين"، حاوي وبطل، بوجود أسماء بارزة عديدة أخرى، منها يوسف خطار الحلو وكريم مروة وغسان الرفاعي ونقولا الشاوي، وغيرهم.

لكنّ الأهم كان في تمكّن ذلك الجيل الشيوعي من تأكيد فصل إدارة الحزب الشيوعي السوري للشؤون السياسية والتنظيمية عن الحزب الشيوعي اللبناني، والتي كان ذهب ضحيّتها شيوعيون عديدون، أبرزهم رئيس الحزب في حينها فرج الله الحلو. تدرّج "الجورجَان" في قيادة الحزب، بدءاً من عضوية اللجنة المركزية إلى المكتب السياسي وصولاً إلى الأمانة العامة ونيابتها.

ولعب بطل دور اليد اليمنى لحاوي، في مهام تنظيمية وسياسية داخلية وأخرى خارجية، لطالما تحدّث عنها الرجل، وتتجسّد في منعطفات ولحظات سياسية شديدة الصعوبة والحراجة، لعلّ أبرزها تلك التي شهدت اختلافات في القراءة والمواقف مع المسؤولين السوفييت، خصوصاً حيال الموقف المبدئي العروبي من قضية فلسطين، واستقلالية الحزب الشيوعي اللبناني عن الكومنترن.

لم يكن بطل مضطراً إلى عيش هذه السيرة السياسية إلى جانب الشيوعيين، على اعتباره خارجاً من عائلة ميسورة جداً ومن العائلات الكبرى في بلدته حيث الأملاك والأراضي الزراعية.

لكنّ قناعات الشاب المشغراني حوّلته من مشروع نائب عن المنطقة ورجل أعمال ناجح بدعم من ذويه، إلى مناضل فعلي حمل السلاح بحثاً عن مشاريع التغيير السياسي، والعدالة الاجتماعية، ومواجهة العدو الإسرائيلي، وكافة أشكال الوصاية السياسية على لبنان، وتحديداً الوصاية السورية منذ سبعينيات القرن الماضي.

لا بل إنّ ما يتناقله الشيوعيون أنّ بطل "باع أملاك العائلة من أجل دعم الحزب"، وهو سؤال لم يجرؤ كثيرون على طرحه على بطل طوال العقود الماضية، خوفاً من ردة فعله أو خجلاً منه. ببساطة، لم يتزوج الرجل ولم ينشئ عائلة، على الأرجح لأن "الحزب والنضال لم يتركا له وقتاً"، كما يتندّر عارفوه.

من يعرف بطل، يدرك تماماً عجزه عن التحايل في الكلام أو تلطيفه، وسعيه المطلق إلى قول الأمور كما هي من دون تجميل المواقف أو زخرفتها. ومن جملة تلك المواقف الجريئة والواضحة، تأكيد بطل على أنّ خوض الشيوعيين الحرب الأهلية اللبنانية (1975 ــ 1990)، لم يكن "نتيجة حمل الخصوم للسلاح وانجراراً إلزامياً للحرب"، بحسب ما يقول قياديون عديدون في الحزب الشيوعي، بل إنّ المشاركة في الحرب كانت انسجاماً مع قرار الحزب بأنه "يجب الرد على عنف البورجوازية بعنف ثوري"، كما ردّد بطل في صالونه السياسي أكثر من مرة لدى سؤاله عن تلك المرحلة.

لا بل إنّ الرجل يؤكد على أنّ قياديي الحزب كانوا يحملون السلاح على أكتفاهم لخوض المعركة. لا تجميل للأمور ولا بحث عن ذرائع ولا تملّص من المسؤوليات عند جورج بطل.

فحتى في ما يخص الاغتيالات التي طاولت الشيوعيين في ثمانينات القرن الماضي، كان الأمر واضحاً لدى بطل الذي لم يتردّد في القول إنّ "مجموعات إسلامية اغتالت الشيوعيين، وهي مجموعات من مختلف المذاهب لكن بأجندة سياسة واحدة منسجمة مع القيادة السورية".

كان بطل قادراً على توثيق تلك المراحل، وتسمية المسؤولين عن الاغتيالات بأسمائهم، تماماً كما لم يكن يتردّد في التأكيد على الأخطاء التي قامت بها قيادة الحزب الشيوعي وفي تحالفاتها قبل الحرب وبعدها، حتى مع الفصائل الفلسطينة نفسها أو "الثورة الفلسطينية" التي دخلت كطرف رئيسي في الحرب اللبنانية.

وحتى في ما يخص العلاقة مع سورية وقياداتها، لم يخف بطل يوماً قراءته القائلة إنّ "سورية، بأنظمتها المختلفة، لا تنظر إلى لبنان كبلد مستقلّ، ولم تنظر إليه يوماً إلا بكونه تابعاً لها وقد سُلخ عنها في فترة الانتداب". وهو أمر يكاد شيوعيو ويساريو لبنان لا يجرؤون على قوله، على اعتبار أنّ قراءة مماثلة تقترن عادةً بخطاب اليمين اللبناني، الذي اعتاد بطل على مواجهته حتى في مسقط رأسه، مشغرة، التي يعود إليها اليوم بعد انقطاع وجيز.


دلالات

المساهمون