جندي على جبهة كورونا

19 ابريل 2020
الصورة
تحتشد الأسرة والأقارب والحبيبات في محطات القطار، لوداع ابنها الذي تلقّى بلاغ الالتحاق بالجيش، لأداء شرف الخدمة العسكرية، ويبدأ كرنفال طويل من العناق الممتزج بدموع البهجة؛ لأن الفتى سيعود جنديًّا ببذلة خضراء وقبعة موشّحة بالشعار الوطني، وسيغدو رجلًا متأهبًا للذود عن حمى الوطن.
ربما كان المشهد سينمائيًّا ذات حروبٍ شريفة، كان فيها الوطن واضحًا، والعدوّ معلومًا، فالجنديّ مهيأ ليكون محاربًا فقط، ولا مكان له غير الثكنات وجبهات القتال. ولكن ماذا لو تغير المشهد، وأصبح الجنديّ محض "مراقب سير" ينظم حركة المرور، ويستوقف العربات، ليتأكد من أن صاحبها يحمل تصريحًا يسمح له بالتجول والحركة؟ الواقع أن المشهد تغير حقًّا، وأصبح هذا الدور البائس منوطًا بالجنديّ العربيّ في الزمن الكورونيّ المقيت، بعد أن أعلنت دول عربية عديدة حالة الطوارئ لمكافحة الوباء، فاستعانت بجيوشها ووزّعتها في الشوارع والمنعطفات، وعلى مداخل المدن، بكامل عدّتها وعتادها، لمراقبة تنفيذ أوامر حظر التجول.
يؤمر الجندي العربيّ اليوم بخوض "معركة" غامضة، لم تكن في حسبانه يومًا، تنضاف إلى سلسلة "الحروب" الغامضة التي خاضها في السنوات الأخيرة، على جبهاتٍ لم يتدرّب عليها، حين قرّر الالتحاق بالجيش، ما يعني أن ثمّة خرقًا عميقًا أصاب العقيدة العسكرية للجنديّ العربيّ، منذ وجد نفسه حارسًا للأنظمة الحاكمة، وليس للوطن ذاته.
غادر الجندي قريته، وفي ذهنه هدفان لا ثالث لهما: الدفاع عن الوطن ضدّ أعدائه، أو أن تتحقق معجزةٌ ما تضعه في خضمّ معركة مصيرية لتحرير فلسطين، بوصفها قاسمًا عربيًّا مشتركًا، وبوصف محتلّها عدوًّا واضحًا لا لبس في معاداته. غير أن هذا الجنديّ، وبعد أن تمّ تدريبه وإعداده لخوض حروب مستقرّة عميقًا في وجدانه، اكتشف أن العقيدة التي تربّى عليها ذهبت أدراج الثكنات، وأن الشعارات المعلنة التي هتف بها في أثناء هرولته الصباحية تبخّرت كلها، حين صار المطلوب منه، فعليًّا، أن يكون حارس احتياط للزعيم، لا أزيد من ذلك.
اتضح الأمر، بداية، خلال الانقلابات العسكرية التي أعقبت سنوات الاستقلال؛ فقد وجد الجنديّ العربيّ نفسه منخرطًا، قصرًا، في انقلاباتٍ ضدّ أعداء لم يكونوا غير رفاق سلاح، ممّن تقاسم معهم شرف الجندية وحبّ الوطن. آنذاك بدأ أوّل الشروخ في عقيدته العسكرية، ثم تتابعت الشروخ، حين وجد نفسه محض جنديّ على رقعة شطرنجٍ لا غاية منه، ولا من عقيدته ورتبته وزيّه العسكري المهيب، غير الموت فداء لحياة الزعيم. ثم جاءت الطامّة التي أحالت عقيدته كلها إلى إطار صور عتيق، حين وجد نفسه محاربًا ضدّ شعبه "العدوّ" في أتون ثورات الربيع العربية، فقد كان مطلوبًا منه أن يلعب دور رجل المخابرات والجلاد؛ ليشارك في قمع شعبه وسحق آماله بالتحرّر. حدث ذلك في ليبيا ومصر وسورية واليمن. أما العدوّ الحقيقي الذي تربّى على مواجهته والاستعداد له فلم يعد واضحًا، ألبتة، بل من الجيوش العربية ما صار يعدّ ويهيئ لاحقًا لاعتبار هذا العدوّ حليفًا وصديقًا.
واليوم، تشهر المفارقات مخالبها، حين يدوّي جرس الإنذار في الثكنات، داعيًا الجنود العرب إلى التأهب والتمنطق بالسلاح؛ لمواجهة عدوّ غامض جديد، ممثلٍ بفيروس غير مرئيّ، فيصطف الجند حائرين متردّدين في الشوارع، أصابعهم على الزناد، يتملّكهم شعورٌ يائسٌ بأن الجبهة الحقيقية التي أعدّوا أنفسهم لها ذات حلم غابر غدت أبعد من رصاصهم وعقائدهم العسكرية برمتها.
وأما المشهد الختاميّ للفصل السينمائي الذي لم يُكتب بعد، فيتحدّث عن محطة قطار نائية، يقف على بابها فتى وحيد حزين، لا يودّعه أحد، ينتظر العربة الأخيرة، علّها تقلّه يومًا إلى جبهة العدوّ "الواضحة".
تعليق: