جناية اليوتيوب على الديمقراطية (1/2)

04 فبراير 2020
في البرازيل على سبيل المثال لا الحصر، تحول "اليوتيوب" في السنوات الأخيرة من وسيلة تسلية وإمتاع وتثقيف أحياناً، إلى سلاح لإشعال الحرب الأهلية الناعمة وإفراغ الديمقراطية من محتواها.

هذه هي النتيجة التي توصل إليها تقرير مصور أنتجته صحيفة (نيويورك تايمز)، أعده مراسلاها ماكس فيشر وأماندا توب، وعرضه برنامج (ذي ويكلي) في إحدى حلقاته المميزة، بعد أن تحدث عن تأثير موقع يوتيوب على مشاهديه، حيث يشبه الموقع "جحر الأرنب" الذي يحتار من يدخله في إيجاد مخرج منه، فيظل متنقلاً من فيديو إلى آخر، خاصة أن آليات عمل الموقع أو خوارزمياته كما لعلك تعلم، ترشح لك الفيديوهات الأشبه بما شاهدته من قبل، وهو ما يشكل حوالي سبعين في المائة من حجم تداول الفيديوهات على اليوتيوب، فإذا لاحظت تقنيات الموقع أنك معجب بفيديوهات القطط أو فيديوهات تعليم الماكياج والطبخ والرقص الشرقي، منحتك منها المزيد، وهو أمر لا يمكن أن يشكل خطورة، إلا على فواتير استهلاكك للإنترنت والكهرباء وطريقة استغلالك لوقتك، لكن الخطورة الحقيقية ستكون حين يكتشف اليوتيوب أنك مولع بفيديوهات نظريات المؤامرة أو فيديوهات الأفكار العنصرية والمتطرفة، عندها لن يقتصر ضرر تلك الفيديوهات عليك فقط، بل قد يمتد إلى بلادك بأسرها، مثلما حدث في البرازيل.

عرض التقرير في بدايته مقطعاً من فيديو يظهر فيه رجل برازيلي غاضب مطالباً بإعدام 30 ألف شخص من أجل تحقيق الاستقرار في البلاد، وبعد سنوات من عرض هذا الفيديو وانتشاره الجنوني على الإنترنت، أصبح ذلك الرجل المدعو جايير بولسونارو رئيساً للبرازيل في انتخابات لم يصدق أحد أنه سيكسبها، وحين سأل مراسلا النيويورك تايمز كثيراً من البرازيليين من مؤيديه ومعارضيه عن أهم العوامل التي مكّنت بولسونارو من كسب الانتخابات، كان أكثر العوامل المتكررة في الإجابات هو اليوتيوب، وهو ما ربطه التقرير بحالات دول أخرى مثل سريلانكا وألمانيا وميانمار، كان دور اليوتيوب فيها مركزياً في نشر الفيديوهات التي تحتوي على أفكار متطرفة وعنصرية.


لكن التقرير لا يجعل من اليوتيوب سبباً وحيداً لوصول المرشح اليميني المتطرف بولسونارو إلى الرئاسة، ولا يفصل تأثير اليوتيوب وغيره من مواقع التواصل الاجتماعي عن حالة الثورة التي تعيشها البرازيل في السنوات الأخيرة، حيث وقفت البلاد على أعتاب كساد اقتصادي عميق، وشهدت عدداً من فضائح الفساد، بعد عقد من حكم اليسار، وهو ما جعل اليمين المتطرف ينجح في خلق هجوم مضاد على مؤسسات الدولة، استمر لسنوات حتى أوصل بولسونارو إلى الفوز بالرئاسة، وأوصل قبلها الرئيس البرازيلي الأسبق لولا دي سيلفا إلى السجن، وتسبب في عزل خليفته اليسارية دولما روسيف من منصبها الرئاسي، بعد أحكام قضائية تثبت الأيام أن بها الكثير من الملابسات المشبوهة على عكس ما تم تصويره في وسائل الإعلام.

خلال استعراضه لاحتفالات عدد من مؤيدي بولسونارو بوصول نجمهم المفضل إلى الرئاسة، استعرض التقرير خطبة حماسية ألقاها شاب اسمه ماتيوس في تجمع لمؤيدي بولسونارو، وحين التقى به التقرير اتضح أن ماتيوس دخل إلى دنيا السياسة عبر اليوتيوب، حين كان عمره 17 عاماً، وكان لا يزال طالباً في المرحلة الثانوية، حيث قام اليوتيوب بترشيح فيديو له، قاده إلى مجموعة أخرى من الفيديوهات ساهمت في تغيير حياته. لم يكن ذلك الفيديو سياسياً، بل كان فيديو لتعليم الجيتار صوره موسيقي مغمور اسمه ناندو مورا، تحول بعد ذلك إلى أهم نجوم اليوتيوب في البرازيل، وبدأت شهرته من خلال فيديوهات لتعليم الغيتار، جلبت له شهرة بسيطة بسبب شكله الذي يشبه نجوم الروك، لكنها تحولت إلى شهرة عارمة، حين بدأ في تسجيل فيديوهات سياسية غاضبة، يصفها ماتيوس بأنها "أيقظت الشجاعة بداخله".

في واحد من أشهر فيديوهاته وأوسعها انتشاراً، هاجم ناندو نظام التعليم البرازيلي، ووصف المدارس بأنها صارت مصانع لإنتاج المجرمين وتجار المخدرات، في فيديو آخر هاجم إدمان الطلبة على أفلام البورنو، وبدأ في نشر نظريات مؤامرة تتعلق بالمدرسين والنسويات والسياسيين، وكلها فيديوهات أدت لارتفاع شعبيته بشكل مذهل، حتى أصبح لديه قبل عدة أشهر أكثر من 3 مليون مشترك، يزيدون يوماً بعد يوم، وحين ينتهي هؤلاء من مشاهدة الفيديوهات المتاحة له على اليوتيوب، يرشح لهم الموقع نجوماً آخرين من نجوم اليمين المتطرف، وحين يشتركون في قنواتهم ويتابعون فيديوهاتهم، يقودهم إلى نجوم آخرين.

كثير ممن التقى بهم محررا التقرير قالوا إن معرفتهم بالرئيس البرازيلي بولسانارو بدأت من خلال فيديو انتشر له على اليوتيوب قبل سنوات، يهدد فيه سيدة بأنه سيقوم بصفعها، وشاهده الكثيرون لأنهم رأوه مضحكاً، لكنه قادهم إلى فيديوهات أخرى، يعارض فيه حقوق المرأة ويهاجم المثليين جنسياً، ويشجع التعذيب ويدعم وحشية الشرطة مطلقاً عبارته الشهيرة التي صارت من أبرز شعاراته الانتخابية "الشرطي الذي لا يقتل ليس شرطياً"، ومع زيادة شعبية فيديوهات بولسونارو، شهد اليوتيوب جيشا من الشخصيات التي تتبنى آراءه في فيديوهات، وأصبح اليوتيوب على حد تعبير نجم اليمين الشاب ماتيوس: "قناتنا الاجتماعية في البرازيل".

يرى التقرير أن من يحتاج إلى فهم السياسة في البرازيل الآن، لم يعد عليه أن يذهب إلى العاصمة، بل يذهب إلى شقة تحولت مؤخراً إلى ستديو تلفزيوني، تقع في أحد شوارع ساو باولو، أصبحت هذه الشقة ملتقى لشبكة أو بالمعنى الأصح حركة "برازيل ليفري" أو حركة البرازيل الحرة، وهي ماكينة إعلامية قوية بناها اليمين مؤخراً، معتمداً فيها على نجوم شباب يقومون بإنتاج 30 فيديو في الأسبوع، تجذب إليها ملايين المشاهدين. حين التقى المحرران بكيم كاتيجاري الذي قام بإنشاء الحركة، وطلبا منه أن يلخص لهما سياسة عمل الحركة، قال بمنتهى الوضوح إنه ليس المهم ما هو المضمون الذي لديك، لكن المهم كيف تقوله، ولذلك يقوم أعضاء الحركة بمشاهدة المواقع الإخبارية المختلفة، ويدرسون ما الذي يحظى بالإعجاب فيها من الجانب السياسي، ثم يقومون بإعادة صياغته، يعني مثلا إذا كان هناك تقرير إخباري يقول إن المرأة تكسب 20 في المائة أقل من الرجل، يقومون بإبراز العنوان ثم السخرية من النساء ومطالباتهن بحقوق متساوية مع الرجل، وهو ما يعجب جمهور الحركة لأنه يبدو مستنداً على معلومة تدعم تحيزاته، مضيفاً أن الغضب ينشر الفيديوهات أكثر بين جمهور اليوتيوب، بل ويشجعه على الخروج من حالة الفرجة السلبية، لينضم إلى أحداث وفعاليات مثل التظاهرات والمسيرات.


هذه الحالة من التواصل بين الشبكة وجمهورها، شجعت نجوم "برازيل ليفري" على استثمار شعبيتهم على الإنترنت، فقرر العديد منهم خوض الانتخابات البرلمانية والمنافسة على مواقع سياسية، كيم كاتيجاري مثلاً نجح في الانتخابات البرلمانية برغم أن سنه لا يتجاوز الـ 22 سنة، وأصبح أصغر عضو كونجرس في تاريخ البرازيل، وهو يعترف أنه لم يكن سيصل إلى ما وصل إليه، لولا اليوتيوب الذي أتاح له منصة مجانية وواسعة الانتشار لاستعراض أفكاره، وهو ما حدث مع آرتور موديو دوفال عامل صقل المعادن الذي أصبح عضواً في الشبكة وواحداً من أبرز نجومها، بعد أن بدأ في تصوير نفسه وهو يقتحم مظاهرات اليسار، وكان يقوم بنشر الفيديوهات التي يتلقى فيها شتائم المتظاهرين وضرباتهم أحياناً، ليجذب محتوى تلك الفيديوهات العنيف الكثيرين لمشاهدته، وتتحقق له الشهرة التي كان يحلم بها، والتي أوصلته في النهاية إلى أن يتم انتخابه لمنصب عام، بفضل أكثر من 2 مليون ونصف مليون مشترك على قناته في اليوتيوب.

في لقاء لها مع محرري التقرير، تحدثت دانا بويد المتخصصة في أبحاث المعلومات، عن "تقنيات الالتصاق بالشاشة" التي تعمل مواقع التواصل الاجتماعي على تطويرها، لتزيد حجم الوقت الذي يقضيه روادها عليها، ويصبحوا مهووسين بها، فتتمكن من زيادة عائداتها المادية المعتمدة على الإعلانات، حين درست دانا بويد تقنيات اليوتيوب، وجدت أن الموقع تبنى منذ عام 2016 خوارزمية هدفها أن تدفع المشاهد إلى تصفح الفيديوهات بدون انقطاع، ولأن الانتشار الأكبر يكون للفيديوهات التي تحتوي على مضمون مثير للانفعالات أو عنيف أو جنسي، أو أشياء تجعل متصفحها غضبان أو خائفاً أو متشككاً في أشياء كثيرة، فإن هذه الفيديوهات هي التي تستولي على اهتمام متصفحي الموقع.

مثل كثير من دول العالم، يحظى اليوتيوب في البرازيل بعدد من المشاهدين، يفوق عدد مشاهدي كل القنوات التلفزيونية، وقد أدت تلك الشعبية الكاسحة للأسف إلى حدوث كارثة صحية، حين انتشر فيروس زيكا في البرازيل قبل سنوات، فانتشرت على اليوتيوب فيديوهات تزعم أن الفيروس ظهر بسبب بعوض تم تعديله وراثياً من قبل الحكومة، لكي يقوم بمحاربة البعوض الأصلي الذي ينقل الأمراض، وأن هذا البعوض المطور خرج عن السيطرة وتسبب في ظهور مرض زيكا، وأن الأمصال واللقاحات التي تقوم الحكومة بتوزيعها تساهم في انتشار الفيروس أكثر، وقد أدى تصديق الملايين لهذه الفيديوهات إلى كوارث صحية، خصوصاً في المناطق الفقيرة التي اقتنع أغلب سكانها أن اللقاحات التي تحاول الحكومة توزيعها هي لقاحات منتهية الصلاحية، كما قالت لهم فيديوهات اليوتيوب التي حذرتهم من أن أطباء الحكومة لن يخبروهم بالحقيقة، وهو ما قالته للتقرير إحدى الأمهات التي اعترفت أنها خافت من أخذ اللقاح أثناء فترة الحمل، بعد أن شاهدت تحذيراً من ذلك على اليوتيوب، وهو ما أدى إلى إصابة ابنتها بالمرض فور ولادتها، وهو ما تكرر كثيراً في العديد من المناطق الفقيرة.

.....

نكمل غداً بإذن الله