جمجمة جد لوسي: من نحن؟

14 سبتمبر 2019
الصورة
يحيلنا الاكتشاف إلى الظاهرة البشريّة التي تنفي المختلف شكلاً(Getty)
شكّل اكتشاف "لوسي" قفزة في العلوم الأحفوريّة والتطوريّة، إذ تمكن العلماء من إيجاد 40 في المائة من هيكلها العظمي في إثيوبيا، وعام 2009، أصبح بالإمكان تخيّل شكلها، لتكون واحدة من أقدم أجداد البشر، إذ يعود عمرها إلى 3.2 ملايين سنة، وتنتمي لسلالة من البشر المنتصبين التي لا تشبهنا، كلياً لكن ربما قد نكون تطورنا عنها.
هذا العام اكتشف العلماء جمجمة كاملة لواحد من أجداد "لوسي" أيضاً في إثيوبيا، ويبلغ عمرها 3.8 ملايين سنة، يقال إنها لذكر بالغ، وتكمن أهميتها بأنها تعطينا تخيلاً معقولاً عن شكل تلك السلالة التي تقع بيننا وبين القردة الكبرى. أهمية هذه الاكتشافات تتجاوز انتقاداتها للظاهرة الدينيّة ومتخيّلاتها عن أصل البشر، فهي تدفعنا إلى أن نسأل عن الظاهرة الثقافيّة والسياسيّة التي جعلتنا مهيمنين على الكوكب، والأهم ما الذي أدى إلى "انقراض" السلالات الأخرى؟ أي ما هو "الامتياز البشريّ" الذي بقينا إثره أحياء؟ وهل هو حقيقة امتياز أم مجرد سلسلة من الشروط والجهود التي خرّبنا إثرها دورة الطبيعة وهيمنا عليها.
يحيلنا هذا الاكتشاف إلى الظاهرة البشريّة التي تنفي ما يختلف عنها بـ"الشكل"، جاعلة إياه لا بشرياً، كذلك تطرح هذه الجمجمة الجديدة أسئلة عن أشكال التطور المختلفة، أي هل أصبحنا بشراً على مستوى "الجميع" عبر طفرة أو تحول أصاب كل القاطنين على الأرض؟ أم كان هناك "حدث تطوريّ"، انعزلت إثره مجموعة عن البقية وتغيرت خصائصها بسبب متغيرات ما، ما مكنها من النجاة لفترة أطول. هذا الافتراض يحيلنا إلى وجود جماعات بشرية وغير بشريّة مُتباينة عاشت في ذات الفترة، وهذا ما يستبعده بعض العلماء لكن لا ينفونه كليّا.
هذه الاكتشافات والجدل يتضح في الظاهرة الفنيّة والثقافيّة، إذ عمد سابقاً العديد من الفنانين والعلماء إلى رسم لوسي وتشكيلها كمنحوتة في متحف كليفلاند في التاريخ الطبيعي، بوصفها الحلقة المفقودة في تاريخ تطور البشريّة، فاسمها مستمد من أغنية للبيتلز، كما أن منحوتتها جابت العالم لنتعرف فيها إلى "جدتنا" التي يقال إنها وقعت من على شجرة، لتأتي جمجمة "جدّها" الآن طارحة سؤال جديداً عن أشكالنا السابقة والعوامل التي جعلتنا على ما نحن عليه الآن، فالجمجمة المكتشفة حديثاً تشبه لوسي أكثر من شبهها لنا، لكنها تحمل خصائص بشرية، ولا نعلم بعد كيف سيكون شكل صاحبها.
على الصعيد المقابل، بعض معادي التطوّر، أو غير المؤمنين به أيضاً، لا ينكرون لوسي وأجدادها، خصوصاً في متحف "الخلق" في الولايات المتحدة، إذ يرون أن لوسي وأجدادها كانوا على الأرض، وعمرهم حقيقي ليس أصل البشر، فالحكاية الدينيّة تقول إن "البشر" خلقوا في اليوم السادس، لكن قبلها ربما كانت لوسي وغيرها، أو ربما أيضاً خلقوا في اليوم السادس لكنهم مجرد "قرديات عليا" و ليسو بشراً، بالتالي أطرفهم وأحجامهم لا تشبهنا. 
لا نعرف الكثير عن "جدّ" لوسي، ولا يمكن أن نتيقن من مدى "أبويته" للجنس البشريّ، لكن المثير للاهتمام في هذه الاكتشاف هو التساؤل السياسيّ الذي يحيلنا إليه: فهل فعلاً "الدولة" وضمانها لحياتنا هو ما يمنعنا من الانقراض؟ أم أن الأمر مجرد دورة قدرية لا يمكن الفكاك منها، أي هل سنتحول إلى أحفوريات ستكتشفنا سلالات جديدة ستأتي لاحقاً، والأهم، أقدم المستحاثات البشريّة تأتي من أفريقيا وتستخدم ضمن الصراع الثقافيّ ما بعد الكولونيالي لانتقاد تفوق الإنسان الأبيض، و"بداية" العالم معه. لكن أيضاً هناك التساؤل المرتبط بوجود هذه المستحاثات منفردة، وكأن هؤلاء الذين قضوا منذ ملايين السنين ونجدهم الآن، منفيين خارجاً لم يدفنوا ويتحللوا بل خضعت جثثهم لعوامل حافظت على أجزاء منها، ما يعني أننا إما نجد جماجم المغامرين أو المنفيين، أو الذين تعرضوا لحوادث منفردة.

دلالات

تعليق: