جمال الكرامة في وجوه فلسطينية وسورية

30 ابريل 2020
الصورة

من صور المعرض بعدسة هدى قساطلي

"ثلاثة شعوب تشكّل روح المشرق": اللبنانيون، الفلسطينيون، السوريون. يجمعهم التاريخ والتقاليد والوشائج، وتؤلّف المِحن بين قلوبهم. هذه الكلمات للسيدة أليس مغبغب، صاحبة الغاليري الفني العريق الذي يحمل اسمها. وبها تُهدي القاعدين في بيوتهم عرضاً افتراضياً لصور التقطتها عدَسَة امرأة أخرى لمخيمات أحفاد اللاجئين الفلسطينيين، وأولاد اللاجئين السوريين في لبنان؛ هذه السيدة هي هدى قساطلي، عالمة الأنثروبولوجيا اللبنانية. بدأ هذا المعرض الافتراضي في 14 إبريل/ نيسان الحالي وينتهي في 23 مايو/ أيار. يمكن زيارته على الرابط https://alicemogabgabgallery.com/refugees-camps-2/.
"ثلاثة شعوب"، تقول. اللبنانيون غائبون عن هذه الصور. ولكن "روحهم" حاضرة. بطبيعة بلادهم أولاً: الجبل، البحر، الغابة، الأخضر. ثم بالطريقة التي تعاملوا بها مع مسألة اللجوءين، الفلسطيني والسوري. ونتيجتها تفصح عنها الصور. قدر عال من العشوائية والترتيبات المؤقتة دائماً، أي الباقية أبداً. ضع اللبنانيين جانباً الآن، فأنتَ لا تراهم، على كل حال. ترى فقط جزءاً مما تبوح به قدراتهم. فالموضوع هو الفلسطينيون والسوريون؛ وتحديداً اللاجئين منهم. وصورهم موزّعة على مخيمات نهر البارد (شمال لبنان) وبرج البراجنة (جنوب بيروت) للفلسطينيين؛ ومخيم البقاع (شرق لبنان)، على الحدود مع سورية، للسوريين.
ليس الراهن وحده حاضراً في هذا المعرض، إنما الماضي أيضاً. المقارنة بين الفلسطينية 
والسورية من المخيمات تفرض نفسها، منذ النظرة الأولى على الصور. الفرق بينهما هو الفرق بوقت اللجوء، أو زمنه. المخيّمات الفلسطينية قديمة، تعود إلى سبعة عقود مضتْ. منذ النكبة الكبرى، عام 1948. وهي فسحة من الزمن سمحت لهذه المخيمات بأن "تتطبّع" مع المكان؛ أي، بالقدر الذي تتحمّله الإمكانات، أن ترى لنفسها طريقة للاستمرار بالعيش في المكان الذي وُجدتْ فيه، فكانت "مساكنها" أقرب إلى مساكن المدن الفقيرة؛ تفصل بينها أزقّة مزفّتة، مثل طرقات المدن. لا تكتفي بأن تكون معمّرة بالباطون، بل ترتفع أيضا بطابقين، وثلاثة أحياناً؛ وتتدلّى من أسطحها ونوافذها الأشرطة الكهربائية المتشابكة، الفوضوية. إنه مخيم برج البراجنة، المندمج بالأحياء الشعبية المحيطة به. يشبهها ويحاكيها. وهذا ما يميّزه عن المخيم الفلسطيني الآخر، نهر البارد. هذا المخيم، الواقع على شاطئ البحر، "معزول"، قياساً إليه، ويبدو وكأن "ترتيباً" مدينياً جديداً طرأ عليه. ما يعيدنا أيضاً إلى تاريخ قريب: عام 2007، عندما دُمِّر المخيم عن بكرة أبيه، بفعل اشتباكات بين الجيش اللبناني ومنظمة فتح الإسلام المشبوهة. أعيد بناء نصف بيوته بعد ذلك، وبأموال وجهود دولية، فكانت تلك البيوت، الباطونية، "المناسبة"، بنظر مقاوليها، وبأزقة أوسع من أزقة مخيم برج البراجنة. وقد مضى على المخيمَين الفلسطينيَين ما يكفي من الوقت، ليطْلي سكانها على حيطان أزقّتها ألوان الانشراح، حمراء، فستقية، يكتبون عليها عبارات الترحيب بالحجّاج، ويرسمون شخصيات يتخيَّلونها...
أما المخيم السوري البقاعي، فاللجوء فيه يعود إلى ما يقلّ عن عشر سنوات، منذ اندلاع الثورة السورية. هو مجاور للطبيعة، بل في قلبها. بينهما، أي بين بؤس المخيم وبهاء تلك الطبيعة تناقض صارخ: جبال وثلوج، خضار وغابات بألوان وردية، تحتضن كلها شظفاً وقلّة وعوزاً. الأزقة مرتّبة، نسبياً أيضاً، أي ذات صفوف. ولكنها موحِلة، لا تعرف الزفت. تضيق كثيراً، وتتّسع قليلاً عندما يبدو أنه اللزوم. أما "البيوت" فهي تخشيبات نُصبت على عجل. تغطيها الشوادر الملوَّنة، ذات معانٍ حياتية وجمالية سأعود إليها. والإحساس بالمؤقت الدائم يتجدّد هنا.
فرقٌ آخر بين الفلسطيني والسوري من هذه المخيمات. ما التقطته عَدَسة هدى قساطلي يقيس الفارق بين هويتَيهما الوطنية. في المخيم الفلسطيني، تصادف على الحائط رسمة لوجه محمود درويش، الشاعر الفلسطيني الأشهر. وكلمته الأثيرة "على هذه الأرض ما يستحق الحياة". فوقها "تعريف" لدرويش: "شاعر من بلادي". إلى جانبها العلم الفلسطيني، وصورة للقدس ولرمز العودة، "المفتاح". وفي أحد الأزقة مقهى اسمه "كوفية كافيه"؛ والكوفية رمز فلسطيني آخر. العلم الفلسطيني حاضر في صور كثيرة. بعلم واحد حيناً، وبأكثر منه، أحياناً أخرى.
بهذا التأكيد، هذا الإصرار على الهوية الوطنية الفلسطينية، تحاول أن تبحث عما يناظر في هوية
 سكان المخيم السوري، فلا تجد إلا صورة واحدة لمراهقة حزينة، تحمل بلا حماسة ورقةً ضئيلة مرسوماً عليها العلم السوري الذي اعتمدته الثورة السورية؛ أي الأخضر في خطّه الأفقي الأعلى، بدَل الأحمر، الرسمي. والنجوم الثلاث الحمراء بدَل النجمتين الخضراوين، الرسميتَين. تحاول أن تدقّق، أن تجد، ولو معنى واحداً يشير إلى تلك الهوية. فقط وبعد تحديق، وتكبير لواحدة من هذه الصورة، سوف تقع على وجه الشهيد سمير قصير؛ وسيرة سمير قصير تلخّص تاريخ تلك الشعوب الثلاثة التي تتشكّل منها "روح المشرق". مع أنها موضوعة بين عشرات الصور لأناس آخرين غير معروفين، ربما شهداء الثورة السورية؛ غير أن نظرات سمير قصير الساهمة، الباحثة عن شيء، من بين نظرات رفاقه في الصورة، تبعث ضوءاً في الذاكرة.
وإذا كنتَ من الباحثين عن أنواعٍ أخرى من الجمال، فسوف تجد وفْرة منها في مخيمات العوز هذه. جمال غير تقليدي، غير استهلاكي، ينطوي على معانٍ تكاد تكون روحية، فالشوادر السورية والحيطان الفلسطينية تسعى دائماً إلى أن تكون زاهية، مشعّة، منفردة برسائلها. واحد منها لا تستطيع تفويته: شادر مرسومة عليه باخرة ضخمة، مبْحرة، غطّى إحدى التخشيبات بالمقلوب؛ بحيث بدا الشادر وكأنه مفتوح على البحر الذي اندمج بالسماء، ونوافذ الباخرة تحولت إلى شبابيك ذلك "المنزل"؛ فصار الوقوف أمام تلك التخشيبة المغطاة بسفينةٍ معكوسة، مثل استراحة للنظر أو الحلم بالبعيد.
من فصيلة الأشكال والألوان أيضاً، تأتي تلك الكتل من المشاتل، الموزَّعة على زوايا الطرق والأزقة، تكاد مساحتها تبلغ نصف أو ربع المتر أحياناً، والخارجة بدرجات مختلفة من الأخضر؛ تقتدي بالطبيعة التي من حولها، أو بعيدة عن مرمى نظرها. أو ذاك الابتكار الذي جعلَ صاحبة "البيت" ترفع الشادر عن الأرض قليلاً، وتضع على طرفه رفّاً من الأصائص الصغيرة مزروعة بالزهور، بحيث يبدو وكأن سكانها جالسون بوجه حديقة، تنسّم عليهم هواء لطيفاً...
بين هذا "الخارج" القريب وخصوصية "المنزل" مجال وسطي اسمه الغسيل المنشور. على 
منْشر مسنود بحائط من الزنك، أو بعصوَين، معرّض للشمس والهواء القليل، أو على درابزين نافذة باطونية... يحكي الغسيل المنشور قصصاً عن صاحباته. بمجرَّد النظر إليه، أكاد أشمّ رائحة الهفْهفة الطافحة من المخيمات الفلسطينية التي كنت أرتادها أيام شبابي الأول؛ رائحة صابون البرش العربي. ولكن ليست النظافة فقط، إنها أيضاً "منهجية" نشر الغسيل. بحيث أن الغسيل "مفروز" بأنواعه، وقياساته وأحيانا ألوانه: أزواج الكلْسات المرصوصة في صف واحد، وكذلك القمْصان، والبنطلونات .. كأن هذا الغسيل هو مقدمة لاستكشاف "البيوت" في داخلها.
وعندما تدخلها، تلك البيوت، تبهجك سجاداتها، الحمراء والزرقاء والبرتقالية، المفروشة على الأرض، والمغطّية لـ"حيطانها".. ثم ترتيبها، نظافتها، جلساتها العربية المريحة، والصوبيا في وسطها، وإلى جانبها إبريق الشاي وفناجينه. رفوف المطابخ، رفوف الفِرش، لا تقلّ سعياً إلى الجمال والألوان. ومعها الإطارات التي وُضعت حول المغسلة، أو التلفزيون .. ليس مهماً كم كلّفت، مادياً، تلك الأطر. والأرجح أنه قليل. المهم فيه أن صاحباته تمكنَّ، وسط معاناة اللجوء، من إيجاد زاوية نظر ممتعة داخل البيت، فأضفت عليه مسْحات من روحها.
وهذا الجمال تلْمسه أيضاً في الوجوه. إنه جمال الذين يريدون أن يحافظوا على كرامتهم، بمحافظتهم على ما تيسر لهم من فرص، أو أدوات، تجعل حياتهم أقلّ بشاعة، أقلّ شقاء. في الوجوه التي التقطتها هدى قساطلي، كثير من الحزن، والضجر. ولكن كل شيء بكرامة. مهما تنوّعت اللقطة، مهما كانت تعبيرات الوجوه، كانت الكرامة حاضرة فيها. إنه جمال الكرامة.
ومع هذا كله، الحياة ماضية، ولا تفْويت للتمتع بها. جلسات على شاطئ بحر نهر البارد، والسباحة فيه. أرجوحة جماعية، واقفة على خرابة، تنتظر الأطفال المعيِّدين، القادرين على تجاوز كتل الأحجار المرْمية هنا وهناك، ومعها الغُبار والفوضى. مشروع بيت جديد، لم يُنجز. وأيضاً، بائع الكعك الذي نفدت بضاعته. كدليل على زحْمة العصرية. الأطفال السعداء ببعضهم، الراكضون نحو ما يبدو لهم أنه الحرية .. حكايات لا تنضب ترويها هدى قساطلي. وقصدها، ربما، أن تقول إن محَن اللجوء لا تستطيع أن تكْبح جموح الأمل والرجاء. كأنها، عبر عدَسَتها، تقلب قول الشاعر الكبير، فتقول: "هناك على هذه الأرض ما يستحق أن نعيش من أجله".