جعفر طوقان.. صورة جانبية للعمارة العربية

23 ديسمبر 2014
الصورة
+ الخط -

نادراً ما نتساءل، كيف يتحوّل الحجر إلى مُفردة شعرية تختال بصورتها المرئية. ونادراً ما نتساءل أيضاً، في غمرة الاستهلاك والتسليع، كيف يصير الشِّعر بيتاً، وعمارةً، وملاذاً من الإكراهات، واستحقاقات القبح والخراب.

إنها الندرةُ ذاتها التي طالما توشّحت بها العلاقة السحريّة بين الحجر والشعر، وفاضت بالدهشة والإبهار مع منجزات المعماري جعفر طوقان (1938 - 2014) الذي رحل أخيراً في عمّان، مخلّفاً وراءه صداقة الحجر.

كان على صداقته مع الحجر والشعر أن تلازم سيرته ومسيرته في الحياة والعمارة على حدٍّ سواء. كيف لا، وهو من أصاخ سمعه ولمّا يبلغ الرابعة من عمره في بيته الصغير، إلى النشيد الوطني لفلسطين، "موطني"، الذي كتبه والده الشاعر إبراهيم طوقان.

أربع حواضر ستظلّ، وهي تتصادى مع نشيد "موطني"، حاضرة على الدوام في وجدان المعماري طوقان: القدس مسقط الرأس، نابلس النشأة والمربع، بيروت الدراسة والخبرة والاقتران برفيقة العمر، وأخيراً عمّان التي أسبغ عليها عصارة تجربته؛ ليعرِّج منها إلى بلدان الوطن العربي ودول العالم، ناهلاً من تجاربها وخبراتها في مضمار البناء والمعمار.

مع انفتاح المدينة الساحلية في منتصف خمسينيات القرن الماضي على ثقافات العالم ومستجداته في الفنون والآداب، والعمارة بوجهٍ خاص، أتيح لطوقان، الحائز على "جائزة الآغا خان للعمارة الإسلامية" عام 2001، أن يتعرّف عن قرب في بيروت إلى بعض آثار والده الذي سبقه لدراسة الآداب في جامعتها الأميركية عام 1923.

ومن على مقاعد الدراسة، وفي رحاب الجامعة، وأرجاء المدينة الناهضة بالحراك الثقافي والسياسي، أطلّ الطالب الجامعي الذي تتلمذ على يد كبار المهندسين المعماريين من العرب والأجانب، مثل رايموند غصن تلميذ الألماني والتر غروبيوس (1883 - 1969)، على المفاهيم والاتجاهات المعمارية الجديدة التي شاعت وتطوّرت في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، لينحاز إلى الاتجاه العقلاني الذي اعتمد مبدأ التكامل والانسجام بين الوظيفة والجمال.

ما إن تخرّج من دَرْس الهندسة الجامعي في عام 1960، حتى شرع طوقان (جائزة فلسطين للعمارة، 1999 – 2000)، بهندسة دَرْسهِ العملي بعين مفتوحة على أفق يتقاطع فيه نسيج المخيال مع واقع الإنسان والمكان، متكئاً في الدرسين على مخزون ذاكرته من مرجعيات بصريّة وثقافيّة وعلميّة.

مشروع قرية الأطفال SOS في العقبة

مشروع قرية الأطفال SOS في العقبة


لم يألُ الفتى خريج العمارة آنذاك، جهداً في تطوير أدواته ومفاهيمه المعمارية، بعد أن سنحت له فرصة العمل في بيروت مع مكتب "دار الهندسة" الذي كان يُعدّ من أعرق مكاتب الهندسة الاستشارية في المنطقة.

أضفى مصمّم ضريحي ومتحفي الراحلين ياسر عرفات ومحمود درويش في رام الله، على صرامة المفهوم العقلاني، رؤيته المتحرّرة من القوالب والأفكار المسبّقة، لجهة صياغة لون جديد من العمارة، قوامهُ الابتكار والتجديد، وفقاً لمعطيات البيئة، وتداخلات الثقافة والاقتصاد، التي صبغت العديد من مشروعاته الشاخصة في لبنان والأردن والخليج العربي، ببصمته المتفرّدة.

سرعان ما أثبت طوقان، صاحب التصميم غير المسبوق والجريء لمسجد عائشة بكار في بيروت عام 1970، حضوره في التأسيس لتوجّهات الحداثة المعمارية الناشئة في مشهدها العربي بداية ستينيات القرن الماضي وحتى أواسط سبعينياته؛ حين انخرط في بيروت بدايةً مع فريق "دار الهندسة"، ومن ثم تأسيسه مكتبه المعماري الخاص، وبعد ذلك شراكته مع المعماري اللبناني جورج ريّس، إذ شكّلت له تلك المرحلة على مدار 15 عاماً، قاعدةً صلبةً انطلق منها إلى فضاء العمارة في العالم العربي، خصوصاً في الكويت والسعودية والإمارات وقطر، وتواصل من خلالها مع مجموعة من أبرز المعماريين العالميين، مثل البرازيلي أوسكار نماير، والأسترالي يورن أوتزن، والمكسيكي الإسباني فيلكس كاندلا.

كما أفضت به مرحلة بيروت إلى التسليم بأن العمارة ليست سوى مُعطى متغيّر يخضع على الدوام للتجاوب الانفعالي الذي يحيلها إلى كيان مادي في إطار عقلاني.

كان للأردن وللعاصمة عمّان التي حلّ فيها طوقان مع عائلته بداية الحرب الأهلية اللبنانية عام 1976، نصيب وافر من تجليّاتها المعمارية، ومقترحاتها الجمالية. وما إن تبيّن له أن العاصمة الناشئة، التي خبرها سابقاً، وعمل فيها بضعة أشهر بعد تخرجه مباشرة عام 1961، اتسعت من دون أن تتطوّر معمارياً، حتى شَرَعَ في إدخال التحديثات والتقنيات الجديدة التي تركت تأثيرها على المدينة ونسيجها المعماري. فكان له السَّبْق في تشييد أول مبنى في المدينة من الزجاج والفولاذ عام 1982، وهو "مركز رياض" الذي كان يعدّ آنذاك أعلى مبنى في المدينة الجبلية.

مدرسة من تصميمه


وهو أول من قام بتوظيف التصفيحات الطبيعية للحجر، ومزجها مع الباطون ضمن أنساقٍ جمالية مستقاة من الخصائص البيئية للعاصمة. فيما تمثّل تأثيره الأبرز على عمّان، بإدخاله إليها المكاتب المعمارية العالمية، مثل The Architects Collaborative من "كامبردج" (ماساشوسيتس) و"مجموعة والترغروبيوس".

أما مشروعه الأبرز والمثير للجدل "بوابات الأردن"؛ فقد فتح الباب أمام الاستثمارات الخليجية التي غدت معها عمّان منقوشة بالأبراج. وهو عبارة عن برجين دقيقين وشفافين من الزجاج، يعكسان ظلال السماء في النهار، ويذوبان معها في المساء.

وكان طوقان، الحائز على جائزتين من منظمة المدن العربية للمهندس المعماري عامي 1992 و2002، وجائزة World Habitat Award عن مشروع قرية الأطفال SOS العام 1993، رغم ذلك، ينتقد توسّع الاستثمار في مشاريع الأبراج داخل عمّان، خصوصاً في ظل غياب التصميمات الأساسية والبنى التحتيّة للمدينة.

ظلّت مظاهر البذخ والإسراف على العمارة المتكلفة التي شهدتها عمّان بعد منتصف تسعينيات القرن الماضي، خصوصاً في عمّان الغربية، موضع انتقاد واستهجان من المعماري. وتساءل مراراً: "لماذا يحاول إنسان هذه الحقبة أن يستمدّ قيمته من فخامة مسكنه؟".

وفي كتاب "عمان.. مدينة الحجر والسلام" للكاتبة الفرنسية الجزائرية مريم العبابسة، الذي نُشر بالفرنسية وترجم إلى العربية مؤخراً، تطرّق طوقان إلى العلة الكبيرة التي تعاني منها عمّان، وهي الشعور بـ"الغربة التامة ما بين السكان والمدينة، إذ أن 90% من العمانيين هم فقراء، ولا يحسّون أن عمّان مدينتهم، بل هي بالأحرى مدينة الـ 10% من فاحشي الثراء الذين يعيشون في عبدون"، ويواصل في السياق ذاته "أن هذه الغربة التامة جعلت من عمّان مدينة لا يحبّها أحد، لا الأغنياء ولا الفقراء. الفقراء لا يحبّونها لأنها لا تعطيهم شيئاً، والأغنياء لا يحبونها لأنها ليست آمنة بما يكفي لتضمن لهم مستقبلهم".

المساهمون