جزائري ولد لينتخب

03 مايو 2017
الصورة
تخشى السلطة من انخفاض نسبة المشاركة (رياض كرامدي/فرانس برس)
غداً تفتح السلطة جنّتها الموعودة للجزائريين، وبعد غد تنقضي سادس انتخابات برلمانية منذ دخول البلاد عهد التعددية السياسية عام 1989. وعلى مدى ست استحقاقات برلمانية ومثلها انتخابات بلدية وخمس انتخابات رئاسية، ظل مكسب الجزائر الوحيد هو اكتساب السلطة بعض الحياء وإنهاء مرحلة 99.99 في المائة التي تُعرف بها الانتخابات في عالمنا العربي. عدا ذلك لم تؤسس الانتخابات في الجزائر لمشهد ديمقراطي مبني على الشفافية في إدارة الشأن العام ومقدرات البلاد، وتكافؤ الفرص بين كل الجزائريين من دون اعتبارات الولاء السياسي.
منذ أكثر من شهر تجتهد السلطة لإقناع الناخبين في الجزائر بالتبكير في الرابع من مايو/ أيار (أي غداً الخميس) إلى صناديق الاقتراع. اعتمدت السلطة على التخويف من العودة إلى عشرية الدم والتبشير بمستقبل واعد. استغلت شيوخ الدين والزوايا والفنانين وألقت بتهمة الخيانة و"الحرامية" على دعاة المقاطعة.
حرّض رئيس الحكومة عبد المالك سلال الجزائريات على دفع أزواجهن إلى التصويت قبل شرب قهوة الخميس. وحذر نائب رئيس اللجنة الدستورية المستقلة إبراهيم بودوخة الجزائريين من التدخل الأجنبي وحلف شمال الأطلسي في حال عدم التصويت. والحقيقة أن ذلك لم يكن سوى تفسير لمفردة "المواطن" في عقل المؤسسة الحاكمة في الجزائر كرقم وكائن ولد لينتخب، وصورة من بشاعة العقل حين يتسخ بالسياسة، وضيق الأفق والدين حين يحجر على التفكير، وتكلس المفردات حين تضيق بالحرية.
تضيق السلطة في الجزائر بحرية الموقف حين يصير الموقف مخرِبّاً لرؤيتها، وناسفاً مجسماتها التي تبنيها بسياقاتها السياسية. عشية الانتخابات هاجت السلطة بسبب فيديوهات أنتجها فنانون شباب "برودكاست"، تناوش السلطة في إسرافها في الدعاية للتصويت، ومشحونة بالروح النقدية للأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ومتخمة بالانعكاس الواضح للإحباطات والإكراهات التي يعيشها الجزائري في يومياته، تعبير من شباب بلغة الشباب، عن هموم وانشغالات وواقع شباب يعيش خيباته وينتحب من شدة الظلم والفساد.
في 10 دقائق، إجمالي زمن هذه الفيديوهات، الموسومة بـ"ما نسوطيش"، و"الرسالة"، نسف الشباب ما بنته بروباغندا الحكومة الجزائرية في أكثر من شهر، وبلغ إجمالي مشاهدتهما ستة ملايين مشاهد في غضون يومين. وإذا كان من سؤال جدير بتحليل هذا الانقلاب، فهو ذاك المتعلق بأسباب نجاح شابين في هدم ما بنته ماكينة السلطة التي استنزفت قدرات مالية ودعائية كبيرة، واستنزفت جهدها في خطابات المنابر والمساجد، ووظفت كتلة بشرية من السياسيين والمغنين لصالح الدعاية الانتخابية.
القصة كلها في صدق الخطاب وفي قول الحقيقة، والشعب يفهم من يحدّثه بمفردات الصدق، ويميز بين الصوت الكاذب والصورة الحقيقية.

دلالات