جزاءات المجلس الأعلى للإعلام: لائحة اغتيال الصحافة المصرية

20 مارس 2019
الصورة
تجريم أفعال في صميم الممارسة الصحافية (محمد الشاهد/فرانس برس)
تعمد السلطات المصرية دائماً إلى استخدام تعابير مطاطية في التشريعات العقابية المختلفة، حتى يسهل على الأجهزة الأمنية والقضائية توسيع مظنة الاتهام ومساحة الإدانة على أفعال غير محددة ومائعة، لكن لائحة الجزاءات الجديدة لوسائل الإعلام التي أصدرها المجلس الأعلى للإعلام برئاسة نقيب الصحافيين الأسبق مكرم محمد أحمد، مساء أمس الأول، تضمنت أكبر قدر من المصطلحات الفضفاضة، ربما في تاريخ التشريعات المصرية. واعتبر صحافيون كثُر، بينهم أعضاء بمجلس نقابة الصحافيين، أن اللائحة تجهز على ما تبقى من حرية صحافة في مصر وتهدر أبسط مظاهر سيادة الصحف على ممارسات المهنة. 
تتيح اللائحة الجديدة للمجلس اتخاذ إجراءات عقابية عديدة وبعضها غير مسبوق، بدايةً من لفت النظر، والإلزام بالرد وتقديم الاعتذار، ثم التغريم بمئات الآلاف وحتى ملايين الجنيهات، ثم منع بث أو نشر أو حجب المواد المخالفة مؤقتاً أو دائماً، ومنع نشر أو بث أو حجب الصفحة أو الباب أو البرنامج مؤقتاً أو دائماً، ثم حجب الموقع الإلكتروني، وسحب ترخيص الصحيفة أو الموقع الإلكتروني، وكذلك حجب المواقع الإلكترونية الشخصية التي يزيد عدد متابعيها على 5000 متابع، والمقصود بها صفحات التواصل الاجتماعي.
ورتبت اللائحة هذه العقوبات جميعاً، أو بعضها، بصورة مدرجة على طيف واسع من المخالفات بعضها تم استحداثه لأول مرة في تاريخ تشريعات الصحافة المصرية، منذ صدور أول قانون للمطبوعات في 1881 تحت الاحتلال البريطاني، بحيث تتعدى فلسفتها تجريم نشر مواد بعينها بسوء قصد إلى تجريم أفعال تدخل في صميم الممارسة الصحافية اليومية التي تحتمل الخطأ وتتيح لها التشريعات القديمة التصحيح والتصويب ورد الاعتبار. كما تفرض سلطة رقابية على مفردات العمل الصحافي من استضافة المصادر بغض النظر عما تقوله، ومعالجة خبرية لبعض الأحداث، ونشر وثائق أو مستندات تتعلق بقضايا أو شخصيات معينة.
وتعكس فلسفة التجريم هذه التي تشمل طبيعة الممارسة ذاتها وطبيعة المادة المنشورة في آن واحد، الصورة المثالية للإعلام من وجهة نظر النظام الحاكم وهي أن تصدر كل الصحف وتبث كل المواقع بمحتوى مصدق عليه من قبل الأجهزة، ومتشابه إلى حد التطابق، ويعبر فقط عن وجهة النظر الرسمية.
تستخدم اللائحة في المواد 6 و14 و17 ألفاظاً وعبارات مرنة يمكن تلفيق أهدافها حسب هوى السلطات، فهي تحظر "الإخلال بمقتضيات الأمن القومي" و"نشر مواد تتعارض مع أحكام الدستور المصري أو تدعو لمخالفة القانون، أو تخالف النظام أو الآداب العامة، أو تدعو إلى الفسق والفجور، أو تتعرض للأديان والمذاهب الدينية بما من شأنه تكدير السلم العام للمجتمع" وتحظر أيضاً "بث أخبار كاذبة وشائعات" و"الحض على العنف والكراهية والتمييز والطائفية والعنصرية أو ما من شأنه تهديد وحدة النسيج الوطني" كما تحظر "الإساءة إلى مؤسسات الدولة أو الإضرار بمصالحها العامة" و"إثارة الجماهير" و"إهانة الرأي الآخر". وتظهر من هذه التعابير رغبة واضعي اللائحة في نصب شباك متعددة لوسائل الإعلام يمكن السقوط فيها بسهولة تحت أي من تلك البنود. 
واتساقاً مع منع ما وصفته اللائحة "الإساءة لمؤسسات الدولة والإضرار بمصالحها العامة" والمقصود به غالباً أي مواد معارضة للنظام أو كاشفة لفساد أي هيئة، تحمي المادة 16 الفساد الشخصي بمنع "التشكيك في الذمم المالية وإلقاء التهم مرسلة دون دليل" كما تحظر المادة 18 "المساس بمسلك المشتغل بالعمل العام أو الشخص ذي الصفة النيابية أو المكلف بخدمة عامة بغير مناسبة مسألة وثيقة الصلة بعمل أي منهم وبهدف تحقيق المصلحة العامة" وهو ما يترجم مباشرة بعدم نشر أي معلومات عن الحياة الخاصة أو المهنية للشخصيات العامة.
وتأتي المادة 22 لتلغي تماماً حق وسائل الإعلام في تغطية العمليات الحربية أو الأمنية أو الحوادث الإرهابية، حيث ذكرت أن هناك "قواعد للتغطية الصحافية" لتلك الوقائع، لم تحددها على الإطلاق، وبالتالي فإن المادة ستحال عملياً إلى قانون مكافحة الإرهاب الذي يلزم الصحف بانتظار البيانات الرسمية وعدم نشر معلومات أخرى. بل إن هذه المادة غالت في العقوبة وأجازت للمجلس الأعلى اعتبار هذه المخالفة كافية لتخلف شرط من شروط ترخيص الوسيلة الإعلامية، أو حجب الموقع الإلكتروني باعتبار تلك التغطية تضر بمقتضيات الأمن القومي.

وعلى مستوى الممارسة الصحافية ذاتها بغض النظر عن نتائجها أو محتواها تحظر اللائحة في المادة 17 "نقل المعلومات من مواقع التواصل الاجتماعي دون التحقق من صحتها" وذلك بغض النظر عن كون المعلومة المنقولة صحيحة أم خاطئة، وهو ما يفتح الباب لتحريك دعاوى جنائية ضد الصحف التي تنقل من تلك المواقع حتى قبل تأكد صحة ما نقلته، ويبدو أن الهدف هو حجب وصول كل ما يدور في التواصل الاجتماعي إلى وسائل الإعلام التي تأخذ شكلاً رسمياً مرخصاً.
وتحظر اللائحة في المادة 20 استضافة من وصفتهم في عبارة غامضة بـ"الشخصيات غير المؤهلة" واعتبرت ذلك مخالفة تستوجب لفت النظر، دون وضع أي معلومات عن كيفية تأهيل الشخصيات أو اختيارها، وتبدو هذه المادة متكاملة مع الواقع العملي الذي تؤكده مصادر إعلامية عاملة في قنوات فضائية تابعة لأجهزة النظام، وهو أن استضافة الشخصيات أو إجراء مداخلات هاتفية معها لا يكون إلاّ بتصديق من المخابرات العامة.
وفي السياق نفسه؛ تحظر المادة 21 ما وصفته بـ"تعميم حالة فردية باعتبارها ظاهرة عامة ترتب ضرراً بحق المواطن في التمتع بصحافة وإعلام حر ونزيه وعلى قدر رفيع من المهنية متوافقاً مع الهوية الثقافية المصرية" ولم تشرح المادة قواعد التمييز بين الحالة الفردية والظاهرة العامة، أخذاً في الاعتبار أن جميع الظواهر الاجتماعية تبدأ الصحافة برصدها كحالات فردية ثم تبدأ في التعامل معها كظاهرة بعد تراكم هذه الحالات وتعددها جغرافياً أو زمنياً، كما لم تشرح المادة المقصود بـ"الهوية الثقافية المصرية" وهو مصطلح غير محدد ولم يذكر من قبل في أي وثيقة رسمية بما في ذلك ديباجة الدستور.
تعليق: