جريمة صاخبة في ديالى ولا مغيث

22 يناير 2016
الصورة

عراقيون يتجمعون بعد تفجير مقهى في المقدادية (12يناير/2016/Getty)

على خطى شقيقاتها السورية المنكوبة، في ريف دمشق وحماة وحمص وحلب.. إلخ، فإن محافظة ديالى العراقية تذبح، اليوم، على أيدي مليشيات، مدعومة وممولة من إيران، وعلى مرأى من العالم ومسمعه. ولكن، لا مجيب ولا مغيث. منذ أسبوعين، تقريبا، اجتاحت مليشيات الحشد الشعبي المُحافَظَةَ، وتحديداً مدينة المقدادية منها، وبدأت عمليات إعدام بحق عشرات من أبنائها السنة، وتدمير ممتلكاتهم، وتفجير مساجدهم، فضلاً عن حرق محال السكان التجارية وأسواقهم. يجري هذا كله، والشرطة العراقية المحلية، والقوات العسكرية النظامية، وسلطات المحافظة، والحكومة المركزية، يراقبون عن بعد، من دون محاولة تدخل للجم جرائم تلك المليشيات.
الأدهى من ذلك أن العالم الغربي "المُتَحَضِّرَ" الذي "رَوَّعَهُ" إعدام المملكة العربية السعودية مواطنها نمر النمر، مطلع العام الجاري، واعتبر ذلك تصعيداً للاحتقان الطائفي في المنطقة، يكتفي بملاحظاتٍ نقديةٍ خجولةٍ لذبح السنة العراقيين، على الرغم من أن الولايات المتحدة، تحديداً، تملك وجوداً عسكرياً في العراق، وهي في وضعٍ يؤهلها للضغط على حكومة حيدر العبادي، بل وحتى على المليشيات، لوقف انتهاكاتها بحق المحافظة وأهلها. تفسير زعم قدرة الولايات المتحدة الضغط على مليشيات الحشد الشعبي، إن أرادت، أن هذه المليشيات التي تتصدر المشهد العسكري العراقي اليوم ضد "داعش" أثبتت فشلاً بعد آخر في حربها ضد التنظيم، لولا الإسناد الجوي العسكري الأميركي. أما ثالثة الأثافي في هذا السياق فتتمثل في الصمت العربي المخزي على ما تفعله إيران ومليشياتها في المقدادية وعموم محافظة ديالى، على الرغم من أن مجلس جامعة الدول العربية وجد متسعاً من الوقت، الشهر الماضي، ليجتمع على مستوى وزراء الخارجية في القاهرة، ويصدر بيان إدانة ضد تركيا، لنشرها بضع عشرات من جنودها قرب الموصل، في سياق الحرب على "داعش". وبالمناسبة، لم يتهم أحد، حتى الحكومة العراقية الطائفية، نفسها، القوات التركية بقتل عراقي واحد، على الهوية أو غيرها.
يجد سكان المقدادية أنفسهم، اليوم، بين خيارين أحلاهما مر، القبول بالتهجير القسري والإجلاء النهائي عن المدينة، أو الموت فيها على أيدي المليشيات التي لا تخضع لسيطرة الدولة العراقية، فقرارها بيد الحرس الثوري الإيراني، وتحديداً، الجنرال قاسم سليماني. وبدون أي مواربة، السبب الأساس لجرائم مليشيات الحشد الشعبي في ديالى اليوم لا تحركه انفعالات طائفية منفلتة، بل وراءه حسابات طائفية إيرانية مدروسة بدقة وعناية، تندرج في سياق ما يطلق عليه بعضهم "الهندسة الاجتماعية"، أو لعبة تغيير التركيبة الديمغرافية في العراق، وهو ما تفعله في سورية، عبر نظام بشار الأسد، في مناطق معينة، كما في ريف دمشق وحمص وحلب، في حال ما اضطروا إلى إقامة "دولة علوية". ولكن لماذا ديالى؟
بداية، ديالى هي المحافظة العراقية الوحيدة التي لها حدود مع إيران، وتقطنها غالبية سنية
عربية، في حين أن باقي المحافظات العراقية الحدودية الأخرى هي، في الغالب، ذات غالبية شيعية، باستثناء "كردستان العراق"، بأغلبيتها الكردية. وحسب الأكاديمي العراقي، نزار السامرائي، فإن حدود ديالى مع إيران تبلغ 240 كيلومتراً تقريباً، وهي أقرب نقطة تصل بين إيران والعاصمة بغداد. ويضيف السامرائي أن ديالى، دائماً، ما كانت محط اهتمام إيراني، ذلك أنها تسعى لتثبيت نفوذها في سورية ولبنان، دع عنك العراق، طبعاً، وتريد طريقاً برياً قصيراً وآمناً، في الوقت نفسه، من حدودها مع العراق إلى الشواطئ الشرقية للبحر الأبيض المتوسط عبر الأراضي العراقية والسورية، كي تصبح قوة دولية تتحكم بكثير من الأراضي والمياه العربية. وبناء على ذلك، يمكننا أن نفهم الضغط الإيراني، عبر مليشيات الحشد الشعبي التي تتولى الأمن عملياً، اليوم، في ديالى، لتغيير المعادلة الديمغرافية في تلك المحافظة، لصالح مكون شيعي أكثر ودية لها على حدودها الاستراتيجية تلك.
واستناداً إلى التوقعات الإحصائية السكانية المتوفرة، لا تتجاوز نسبة السكان السنة في المحافظة اليوم 50%، في حين كانت نسبتهم ما بين 80-85% مع بداية الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003. وانخفضت هذه النسبة، في الأعوام الماضية، إلى حوالي 65%، جرّاء تصاعد جرائم المليشيات الشيعية ضد سكان المحافظة من السنة، بدعم من حكومة رئيس الوزراء العراقي السابق، نوري المالكي، خصوصاً بين عامي 2006-2007، بعد تفجير مرقد الإمامين العسكريين في سامراء مطلع عام 2006. وقد تجدّدت هذه الجرائم عامي 2013 و2014. فعلى مدى أكثر من عقد ونصف، مارست تلك المليشيات، برعاية، أو غض طرف، من الحكومات العراقية الطائفية، وبدعم إيراني، جرائم طائفية ضد المكون السني في المحافظة، كما في مدن ومحافظات عراقية أخرى. واستغلّت حكومة المالكي والمليشيات مزاعم الحرب على تنظيم القاعدة، واليوم "داعش"، في تهجير سكان المحافظة، ومصادرة أملاكهم، أو إرغامهم على بيعها بأثمان بخسة، ولا زالت مليشيات الحشد الشعبي لا تسمح بعودة النازحين من أهل المحافظة السنة إليها.
كل ما سبق، إما أنه تمَّ تحت ناظري الولايات المتحدة التي قدمت العراق على طبق من فضة لإيران، كما قال يوما وزير الخارجية السعودي الراحل، الأمير سعود الفيصل، أو بغض طرف منها عما يجري للسنة في العراق، اللهم إلا حين أرادت أن توظف الورقة السنية للتخلص من المالكي في صيف عام 2014، بذريعة محاربة "داعش". وهي السياسة نفسها التي تتبعها (أي الولايات المتحدة) في سورية اليوم، خصوصاً حين اكتفت بانتقاداتٍ لا قيمة لها حيال حصار الجوع القاتل الذي تفرضه قوات الأسد ومليشيات حزب الله على أهالي بلدة مضايا في ريف دمشق. ما يهم إدارة الرئيس باراك أوباما، اليوم، في المنطقة أمران، الأول محاربة "داعش"، وإيران ضلع أساسي في ذلك، حسب مقاربة الإدارة، ثمّ إنجاح الاتفاق النووي مع إيران، والذي يراه أوباما المنجز الأهم له في السياسة الخارجية. ولكن، لماذا نلوم أوباما والولايات المتحدة، بل وحتى لماذا نلوم إيران، في حين أن ما يجري في المنطقة من خذلان القريب والبعيد لنا، إنما هو نتاج سياسات أنظمتنا؟ ألم يتآمر كثير من هذه الأنظمة، أمس، على غزو العراق وسحقه وإخراجه من فلك العروبة إلى فلك إيران؟ ألم تتآمر كثير من هذه الأنظمة على خيارات شعوبها في الحرية والكرامة، فكان أن سقطنا جميعاً، شعوباً وأنظمة، في فوضى، والمزيد من التبعية والارتهان للخارج؟
لم تنسح إيران في فراغ هيأت له هي، بل إنها سارت على خطى إسرائيل، حيث وظفت حماقاتنا، لتعزّز وجودها في فضائنا. وهي اليوم، كما إسرائيل وأميركا وروسيا، تعيد صياغة المنطقة وتشكيلها، على قدر استطاعتها، جرّاء الفوضى التي أحدثناها في عقر دارنا، ومدخلها الأوسع إلى ذلك هو الطائفية، التي أصبحت، ومن أسفٍ، حقيقة واقعة، مهما حاول كثيرون من أصحاب "الحِسِّ المرهف" بيننا إنكار وجودها.