جريمة خالد الأسعد... التاريخ يخسر "حارس تدمر" ومكتشفها الحديث

20 اغسطس 2015
الصورة
الأسعد من ألمع علماء الآثار بالشرق الأوسط (فرانس برس)
+ الخط -
واصل تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش)، جرائمه بحقّ الإنسانية، بعد إعدامه عالم الآثار السوري المعروف عالمياً بكونه من أبرز علماء الآثار في الشرق الأوسط خالد الأسعد. وقام مسلّحو التنظيم بفصل رأس الأسعد وتعليق جسده على عمود كهرباء في أحد شوارع مدينة تدمر، ظهر يوم الثلاثاء.

وأظهرت صورة بثّها نشطاء محليون من مدينة تدمر على شبكة الانترنت جسد الأسعد معلقاً من يديه، بعد أن قطع التنظيم رأسه، وقد ربطت إلى جسده يافطة كتبها عناصر "داعش"، وتضمنت "التهم" التي أُعدم الأسعد بموجبها، وهي: "تأييده النظام السوري، وتمثيله له في مؤتمرات عدة، بالإضافة إلى كونه مديراً سابقاً لأصنام تدمر الأثرية، كما زار إيران سابقاً وحضر حفل انتصار ثورة الخميني، فضلاً عن تواصله مع أخيه عيسى الأسعد، رئيس فرع فلسطين، ومع العميد حسام سكر في القصر الجمهوري بدمشق".

وأوضح الناشط أحمد التدمري لـ"العربي الجديد"، أن "عملية الإعدام تمّت صباح الثلاثاء، بعد يوم واحد فقط من استهداف طائرة نفاثة تابعة للنظام السوري، مبنى سكنياً في مدينة تدمر يقع فيه منزل خالد الأسعد". ونعت المديرية العامة للآثار والمتاحف التابعة للنظام الأسعد، في بيان، وكشفت أن "عملية الإعدام تمّت في ساحة متحف تدمر الأثري، قبل أن يقوم مسلّحو داعش بنقل الجثمان إلى أحد شوارع المدينة لتعليقه هناك".

ولد الأسعد، الأب لستة صبيان وخمس بنات، في تدمر عام 1934. درس المرحلة الابتدائية في تدمر، ثم انتقل لمتابعة دراسته بمدينة دمشق، ليدرس في قسم التاريخ بجامعة دمشق وينال إجازة بالتاريخ، ثم دبلوماً في التربية. بدأ عمله بالآثار منذ عام 1962 كرئيس الدراسات والتنقيب في مديرية الآثار بدمشق، ثم في قصر العظم بدمشق حتى نهاية عام 1963.

اقرأ أيضاً: محطات في مسلسل خسارة النظام السوري ضبّاطه

بعدها تولّى منصب مدير آثار تدمر في المديرية العامة للآثار والمتاحف، وأميناً لمتحف تدمر الوطني، ومديراً للبعثة الوطنية للتنقيب والترميم في تدمر وباديتها، خلال الفترة بين عامي 1963 و2003. وعُرف الأسعد بتأييده للنظام، كونه انضم لحزب البعث في عام 1954، وبدأ نشاطه السياسي بالحزب كأمين فرقة، ثم عضو قيادة شعبة، ثم أميناً لشعبة الحزب في تدمر، ثم عضو المؤتمر القطري الثامن للحزب في سورية.

وأوضح مدير جمعية حماية الآثار السورية، شيخموس علي، في حديثٍ لـ"العربي الجديد"، أن "الأسعد كان على الدوام رئيساً أو مشاركاً في بعثات التنقيب والترميم السورية العاملة بتدمر، وعضواً في بعثات أجنبية ووطنية ومشتركة كالبعثات السويسرية والأميركية والبولندية والفرنسية والألمانية، التي عملت طوال السنوات الخمسين الماضية في تدمر".

وأضاف علي أن "الأسعد كان عضواً في المشروع الإنمائي التدمري خلال الفترة بين عامي 1962 و1966، بعد اكتشافه القسم الأكبر من الشارع الطويل وساحة الصلبة وبعض المدافن والمغاور والمقبرة البيزنطية في حديقة متحف تدمر، واكتشاف مدفن بريكي بن أمريشا، عضو مجلس الشيوخ التدمري".

وأشار إلى أن "أعمال الباحث خالد الأسعد أكبر من أن تُحصى، بعد العثور على منحوتة حسناء تدمر في عام 1988، وكذلك مدفن أسرة بولحا بن نبو شوري، ومدفن أسرة زبد عته، ومدفن بورفا وبولحا، ومدفن طيبول. كما أشرف على ترميم بيت الضيافة في تدمر عام 1991، وساهم مع البعثة الوطنية الدائمة بإعادة بناء أكثر من 400 عمود بالكامل، من أروقة الشارع الطويل في تدمر ومعبد بعلشمين، ومعبد اللات وأعمدة ومنصة وأدراج المسرح. كما أعاد بناء المصلبة وأعمدتها الـ16 الغرانيتية عند مدخل حمامات زنوبيا، ومحراب بعلشمين، وجدران وواجهات السور الشمالي للمدينة. ورمّم أجزاء كبيرة من أسوار وقاعات وأبراج وممرات القلعة العربية (قلعة فخر الدين). وساهم في تركيب جسر معدني فوق خندق القلعة وافتتحها للزوار، ثم رمّم الأسوار الخارجية والأبراج في قصر الحير الشرقي، وهي بطول 3000 متر، بارتفاع وسطي بلغ ثلاثة أمتار. وأعاد بناء 20 عموداً مع تيجانها في جامع هشام، وبيت الضيافة في الموقع عام 1966، وربط الموقع بطريق إسفلتي معبّدة في عام 2000".

وللأسعد عشرات الدراسات التاريخية والأركيولوجية المنشورة باللغات العربية والإنكليزية والفرنسية والألمانية، أعدّها بشكل منفرد أو بشكل مشترك، مع علماء الآثار الفرنسيين والإنكليز والألمان الذين عملوا في تدمر. كما كان يُتقن اللغة التدمرية القديمة، وكان يعمل لسنوات طويلة على ترجمة النصوص الموجودة على الألواح المكتشفة في تدمر، وحصل على العديد من الجوائز والشهادات الدولية، كما نال وسام الاستحقاق برتبة فارس من كل من فرنسا وبولندا وتونس.

ولم تتعرّض آثار مدينة تدمر التي عمل عليها الأسعد لعشرات السنوات لتخريب متعمّد من مسلّحي "داعش" حتى الآن، منذ سيطرة التنظيم على المدينة الأثرية في شهر أيار/ مايو الماضي، إلا أن مسلّحي التنظيم دمّروا تماثيل حديثة، تمّت صناعتها لأغراض تعليمية في متحف تدمر الأثري، الذي أفرغ النظام معظم محتوياته ونقلها إلى دمشق قبل انسحابه من المدينة.

وأوضح تقرير صدر أخيراً عن جمعية حماية الآثار السورية، أن "معظم الأضرار التي لحقت بالمواقع الأثرية في تدمر حتى الآن، نتجت عن تمركز قوات النظام السوري في المدينة الأثرية سابقاً، وعن المعارك التي جرت في محيط المناطق الأثرية بتدمر والقصف المتبادل الذي شهدته هذه المناطق".

ولفت التقرير إلى أن "تمركز قوات النظام في المواقع الأثرية، استلزم إجراء تغييرات هائلة في بنية المواقع، تمثلت بأعمال هندسية، كشقّ الطرقات وإقامة الساحات والسواتر وعمليات تجريف وحفر الخنادق ونقل الكتل الحجرية الأثرية من مواضعها وإعادة استخدامها في أماكن أخرى، لتأمين الحماية للقوات المعززة بالآليات الثقيلة مثل الدبابات وراجمات الصواريخ ومركبات النقل، التي تمركز بعضها ضمن المنطقة الأثرية وبشكل خاص بالقرب من المدافن البرجية".

وأشار التقرير بشكل مفصّل إلى الأضرار التي لحقت بأعمدة ومباني معالم مدينة تدمر الأثرية، موضحاً بالصور انهيار بعضها وتضرر البعض الآخر، كما ذكر أن المدافن الأثرية في تدمر تعرضت لعمليات سلب من قبل لصوص محترفين، وأن العديد من القطع الأثرية المسلوبة من المدافن الأثرية بتدمر، تمت مصادرتها أثناء محاولة تهريبها في محيط مدينة حمص وفي لبنان وصودر بعضها في إيطاليا.

اقرأ أيضاً: قوات النظام تواصل هجومها وتستقدم تعزيزات عسكرية إلى تدمر

المساهمون