جرائم الأشرار.. رصيد الأعداء

30 أكتوبر 2018
الصورة

(سمعان خوام)

ربما تكون المصادفة ما يجعل العالم كله يقارن بين حادثتين يجري تداولهما الآن: الأولى اغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده في إسطنبول، وهي الجريمة التي ما انفكّ العالم يتحدث في تداعياتها السياسية والقانونية والإنسانية بشكل عام، حيث كانت ذريعة التعرّض للصحافي المعارض محاولة إعادته إلى وطنه، فجاءت النتيجة الذهاب إلى خيار الإعدام خارج القانون في تقرير مصيره. ولم يستمع العالم بعد إلى رواية رسمية سعودية مقنعة، تفسر ما جرى في ردهات القنصلية السوداء وغرفها. الحادثة الثانية جرت تفاصيلها في العام 1960، وتتم استعادتها حالياً عبر السينما، حيث يشاهد الملايين الآن عبر شبكة نتفليكس فيلم "العملية الأخيرة" الذي يُظهر محاولات الموساد (المخابرات الخارجية) الإسرائيلي اعتقال مجرم الحرب النازي، أدولف أيخمان، وجلبه إلى إسرائيل، بعد اختطافه في الأرجنتين، لتتم محاكمته "قانونياً"، ومن ثم تنفيذ حكم الإعدام به.
فعلياً تتوالى الإصدارات الدرامية التي تركز على تاريخ إسرائيل، فتظهرها منتصرةً على من أراد بها شراً. الإسرائيلي هنا في جانب الخير دائماً، بينما يكون "الأغيار" بلا شك في جانب الشر! هذه الثنائية قدّمتها بسذاجة أيضاً الدراما السياسية التي مثلها فيلم "الملاك" عن المصري، المشتبه بجاسوسيته، أشرف مروان، على شبكة نتفليكس. وبالتأكيد سيبني مسلسل "الجاسوس" المتوقع عرضه خلال فترة قصيرة على نتفليكس على الثنائية نفسها، إذ لا يمكن للدراما الصهيونية أن تتحدّث عن الجاسوس الإسرائيلي، إيلي كوهين، الذي تم إعدامه في منتصف ستينيات القرن الماضي في دمشق، من دون أن تضفي على شخصيته بطولاتٍ مزعومةً، تم ترويجها عنه عقودا.
وعلى الرغم من أن القصتين اللتين يتم طرحهما هنا تتعلقان بواقع عربي، مضت عليه عشرات السنين، إلا أن المواطنين المصريين والسوريين على حد سواء لا يملكون روايتين حقيقيتين، تقدّمان ما جرى فيهما، سوى الإنكار الرسمي لما حدث!

وهكذا، يوصلنا البحث في المعطيات التي تجعل الإسرائيليين يستمرئون فكرة صناعة الدراما التي تناصر صورتهم، وإنْ ملفقةً ومفصلةً على مقاس الانتصارات التي حدثت، حسب السردية الإسرائيلية، بسبب ذكاء الإسرائيليين وغباء الأعداء، ولا سيما العرب منهم، يوصلنا، بشكل أو بآخر، إلى حقيقة غياب الروايات الأخرى عن المشهد بشكل كامل.
كل السرديات المتاحة عالمياً عن الحروب العربية الإسرائيلية، بما فيها حرب الـ48 التي أدت إلى قيام دولة إسرائيل على أنقاض المناطق العربية التي تم تهجير سكانها، لا تؤشّر إلى رؤيةٍ عادلةٍ، أو منصفةٍ، تقدّم ما جرى من وجهة نظر الضحايا، أي الفلسطينيين، وحتى حرب الأيام الستة، والتي خسر فيها العرب مناطق واسعة لصالح الإسرائيليين في حربٍ خاطفةٍ، فقد أظهرتهم أقوى من كل دول المنطقة.
يكرّس الإسرائيليون في هذه الأعمال وغيرها روايتهم عما جرى، وهم يصنعون مادةً يتم ترويجها بقوة على المستوى العالمي. ولا عجب أن تصبح روايتهم هي الرسمية المعتمدة، فالأنظمة العربية التي تتخذ إسرائيل من هزائمها مادة لبطولاتها المزعومة لا تصرّح عما جرى في الماضي، إذ لا توجد حقائق أو مراجعات رسمية فعلية لأيّ من الوقائع التي تضمنتها الحروب العربية مع الدولة الصهيونية! وحتى حين يتم طرح الروايات، فإن ما يتم تقديمه هنا لا يعدو كونه رواياتٍ غير متماسكة، لا تقنع المواطن العربي، ولا تصلح لأن يتم البناء عليها، على المستويين، المحلي والعالمي.
لا تملك الأنظمة العربية التي صنعت هزيمتها بيدها عبر ممارساتها ضد شعوبها، وعبر تاريخها الشنيع في التعاطي مع المعارضين، على أرض الواقع رواية تصلح للاستخدام في مواجهة الإسرائيليين، فكل ما لديها هو تاريخها المشين في إبادة الآخر الذي طالب بالحرية والديمقراطية، بوصفهما ترياق القوة والمنعة الداخلية لدى الشعوب.
وهكذا، وعلى الرغم من أن مقاربة جريمة اغتيال خاشقجي قد لا تجد سبيلها ذات يوم إلى السينما العربية أو العالمية، لكونها تفضح البنية العميقة للأنظمة العربية، إلا أن السينما الإسرائيلية ستستمر في صناعة أفلام تمجّد قوة دولتها، وتبني أساطير يعلم الجميع أنها زائفة عن احترامها القانون في التعاطي مع أعدائها. بينما تبقى الجرائم التي تُرتكب بحق الصحافيين والمعارضين العرب بعيدة عن التداول، طالما أنها تُفصح عن بنيةٍ سياسيةٍ فاسدة، لا يمكن أن تستمر إلا عبر القمع والقهر والإبادة.

دلالات

تعليق: