جرائم الأردن... القتل يزداد والخلافات الشخصية والأسرية أبرز الدوافع

22 يونيو 2020
الصورة
في الانتحار، تختلف أرقام الشرطة عن الطب الشرعي (Getty)
+ الخط -


في ظل غياب لغة الحوار وانتشار الأسلحة النارية، تسببت الخلافات العائلية والشخصية في 79 في المائة من الجرائم في الأردن، مع زيادة كبيرة في جرائم القتل التي تجاوزت المائة، وذلك بحسب تقرير إحصائي جنائي أخير يشمل أرقام عام 2019


شهد الأردن عام 2019 زيادة ملحوظة في جرائم القتل، بحسب تقرير رسمي أخير، وذلك بنسبة 32 في المائة، إذ سجلت البلاد 118 جريمة قتل عام 2019، مقارنة مع 89 جريمة قتل عام 2018. وارتكب الشباب في الشريحة العمرية من 18 إلى 37 عاماً نحو 64 في المائة من تلك الجرائم، وكانت الخلافات الشخصية والعائلية السبب المباشر في نحو 79 في المائة من الجرائم في ظل غياب لغة الحوار، وشكلت الأسلحة النارية والأدوات الحادة ما نسبته 76 في المائة من الأدوات المستخدمة لتنفيذ الجرائم.

ويكشف التقرير الإحصائي الجنائي لعام 2019 الصادر عن إدارة المعلومات الجنائية والمعنون "الأمن العام الأردني" انخفاضاً في عدد حالات الانتحار لأول مرة منذ سنوات، إذ وصل عددها إلى 116 حالة خلال عام 2019 بنسبة انخفاض بلغت 18 في المائة مقارنة مع عام 2018.

يقول مستشار الطب الشرعي، الخبير في الوقاية من العنف والإصابات، هاني جهشان لـ"العربي الجديد": "طريقة احتساب النسب للمقارنة غير دقيقة، ويجب أن تتم لعدد الجرائم في كلّ مائة ألف من السكان في السنة، وهو المعيار المعتمد من منظمة الصحة العالمية للمتابعة السنوية والمقارنة مع النسبة العالمية أو المقارنة مع دول أخرى في الإقليم. يتابع أنّ عدد جرائم القتل صحيح لسهولة التشخيص بالطبّ الشرعي وظروف الوفاة. أما رقم حالات الانتحار من الشرطة واستخلاص نسب منها ارتفاعاً أو نقصاناً فهو مغلوط بشكل كبير"، موضحاً أنّ "الشرطة لا تملك معايير تشخيص الانتحار ويجرى التصنيف عشوائياً. وأرقام الشرطة تختلف عن أرقام الطب الشرعي وعن أرقام النيابة العامة". ويضيف أنّ الانتحار أو محاولة الانتحار ليسا جريمة بحسب القانون الأردني، ولذلك يغلق الملف لدى النيابة العامة من دون إحصائيات دقيقة.



ويؤكد جهشان ضرورة أن يكون تشخيص الانتحار على المستوى الوطني من جهة متخصصة متعددة القطاعات، وهي الطب الشرعي والطب النفسي والخدمات الاجتماعية والشرطة والنيابة العامة والدفاع المدني، وهو ما لا يتوفر في الأردن، كما يقول. ويشدد على أنّه لا يمكن استخلاص نتائج دقيقة وظواهر من أرقام لم تراعَ فيها الأسس العلمية البحثية، ومثل هذه الأرقام لا تشكل مرجعاً لفهم مثل هذه الظواهر.

من جهتها، تقول أستاذة علم الجريمة، خولة الحسن لـ"العربي الجديد" إنّه لا يمكن تحليل الجريمة بمنأى عن السياق الاجتماعي، فانطلاقاً من المنظور العقلاني ينبع السلوك الإجرامي من الإرادة الحرة، والدوافع العقلانية متزامنة مع ضبط ذات منخفض، ووسائل مشروعة غير متاحة لتحقيق الأهداف، بالإضافة إلى سياق اجتماعي بمكانات اقتصادية متدنية، وتنوع إثني وعائلات مفككة جميعها تسهل الدوافع الإجرامية. كذلك، فإنّ معدلات الجريمة، وفق الحسن، تدلّ بصورة رئيسية على الأماكن التي تعاني من خلل مجتمعي، إذ تنتج هذه الأماكن الجناة وتجمعهم مع الضحايا في المكان والزمان نفسيهما، وهذا من شأنه أن يدعو إلى إعادة النظر في الجانب الوقائي المتمثل في تعزيز مهارات حلّ المشاكل الأسرية، والحلّ يكون بطرق عقلانية بعيداً عن العنف، والتركيز على الصحة النفسية وطرق ضبط الذات عند التعرض لمشاكل اجتماعية أو معيشية أو عاطفية. وكذلك، إعادة النظر في الجانب الإجرائي المتمثل في تنفيذ العقوبات المتعلقة بمرتكبي جرائم القتل لتحقيق مبدأ الردع العام، لافتة إلى أنّ أحكام الإعدام لم تنفذ بحق العديد من المحكومين.

تتابع: "نحتاج إلى نظرة تحليلية للتقرير الإحصائي، إذ جرى ارتكاب 110 جرائم، جريمة واحدة منها فقط ما زالت مجهولة، مما يعكس احترافية جهاز الأمن العام في كشف جرائم القتل". تضيف أنّ إجمالي عدد الجناة في جرائم القتل هو 201 مجرم، منهم 11 أنثى بنسبة 5 في المائة، فيما نسبة 9 في المائة هي من جنسيات غير أردنية، بواقع 18 جانياً، وكان عدد المجني عليهم من جراء هذه الجرائم هو 115 ضحية؛ وأقل من ربع المجني عليهم بقليل هنّ من الإناث، بنسبة 23 في المائة، وبلغت نسبة الضحايا غير الأردنيين 11 في المائة من إجمالي الضحايا.

توضح الحسن أنّه من خلال تفحص مؤشر العمر نجد أنّ الفئتين العمريتين ما بين 18 و27 عاماً وما بين 28 و37 عاماً قد احتلتا مجتمعتين ما نسبته 64 في المائة من ارتكاب جرائم القتل بين جميع الفئات الأخرى. وهو ما يشير إلى ضرورة الاهتمام بفئة الشباب، خصوصاً من يعانون من البطالة وتدهور الأوضاع المعيشية، إذ تمتاز أهداف هذه الفئة العمرية في إثبات وجودها وتحقيق ذاتها والسعي لإيجاد وسائل مشروعة لتحقيق أهدافها ومكانتها المجتمعية والوفاء بالتزاماتها الأسرية أو حتى المهنية منها.

أما في ما يتعلق بعمر المجني عليهم فقد جاءت النسبة الأعلى أيضاً ضمن الفئة العمرية ما بين 28 و37 عاماً بنسبة 32 في المائة، تليها الفئة العمرية ما بين 18 و27 عاماً، بنسبة 27 في المائة، مما يدل على أنّ أكثر من نصف الضحايا هم بنفس الفئة العمرية للجناة، فهم أيضاً يعانون من المشاكل الاجتماعية والنفسية والمعيشية نفسها.



تضيف الحسن أنّه في ما يتعلق بمؤشر الدوافع فقد احتلت الخلافات الشخصية، سواء الحالية أو السابقة، النسبة الأعلى تليها الخلافات العائلية، إذ شكلت مجتمعة ما نسبته 79 في المائة من العدد الإجمالي، ما يدل على غياب لغة الحوار ما بين الأفراد في الأسرة والمجتمع وضعف أساليب التنشئة الاجتماعية المبنية على الاحترام وقبول الرأي الآخر، وفي الوقت نفسه، يشير إلى تفشي حالة الأنومي (اللامعيارية) المتمثلة في غياب المعايير الاجتماعية، بالإضافة الى غياب القدوة والرمز الإيجابي والضعف الحاد في أساليب التعامل مع الضغوط الاجتماعية وضعف تطبيق استراتيجيات التأقلم معها.

وبتفحص مؤشر أداة الجريمة، فقد احتلت الأسلحة النارية النسبة الأعلى، تليها الأدوات الحادة، إذ شكلت مجتمعة ما نسبته 76 في المائة من الأدوات المستخدمة لتنفيذ الجريمة، ما يتطلب إيلاء مسألة انتشار الأسلحة اهتماماً كبيراً، خصوصاً عندما يكون السلاح متاحاً لشريحة 18 - 37 عاماً، من خلال تغليظ العقوبات على حمل السلاح من دون ترخيص، وتشديد إجراءات الترخيص، وتكثيف الرقابة على مبيعات السلاح.