جدل الميراث في تونس

20 اغسطس 2017
الصورة

السبسي يعلن مبادرته بشأن الميراث في يوم المرأة (13/8/2017/الأناضول)

+ الخط -
حين همّ ورفاقه بإصدار مجلة الأحوال الشخصية، في تونس، تخير الحبيب بورقيبة، خطة اتصالية فائقة الذكاء، فعلى الرغم من الكاريزما التي كان يتمتع بها، وخطاباته الفذة وضمور أشكال المعارضة السياسية، أو المدنية، آنذاك، فقد عوّل على زعامات دينية من طراز عالٍ وجاهة وعلماً (الشيخ عبد العزيز جعيط، الشيخ محد الطاهر بن عاشور وابنه الفاضل، الشيخ محمد القروي، ...) بحثاً عن شرعيةٍ تؤصل تلك المبادرة السياسية – الاجتماعية التونسية، الجريئة وغير المسبوقة في عالمنا العربي، حتى بدت كأنها اجتهاد أصيل من داخل المنظومة الفقهية، بل بانت استمراراً لذلك التراث النير.
على خلاف ذلك، تبدو مبادرة الرئيس، الباجي قائد السبسي، التي اختار إطلاقها، يوم احتفاء تونس باليوم الوطني للمرأة، في إحياء لذكرى إصدار مجلة الأحوال الشخصية (13 أغسطس/ آب 1956)، والداعية إلى مساواة تامة بين الرجل والمرأة في مسألة الميراث، إلى جانب السماح القانوني لزواج المرأة التونسية المسلمة بأجنبي غير مسلم، وإلغاء المنشور المانع لذلك، تبدو هذه المبادرة مقطوعة عن ذلك الاجتهاد، بل تتم من خارجه.
وبقطع النظر عن التوقيت المفعم بالرمزية أو النيات التي لا يمكن نفيها أو إثباتها، فإن السياق لو استنطقناه لأفصح عن عدة دلالاتٍ، يمكن أن تساعدنا على فهم القصد الذي حرص على إدراكه رئيس الجمهورية، ناهيك عن التطورات والمآلات التي يمكن أن تقود مثل هذه المبادرة المهمة.
يقف الرئيس الباجي قائد السبسي في الأشواط الأخيرة من عمره الانتخابي، وإذا كان زعيم حركة النهضة، الشيخ راشد الغنوشي، قد أثار موعد 2019 سنة الموعد الانتخابي التشريعي والرئاسي المقبل، حين "نصح" رئيس الحكومة الحالي، يوسف الشاهد، بعدم الترشح، فإن رئيس الجمهورية السبسي انخرط في هذا الجدل المثار حالياً في تلك الانتخابات بالذات. ولكن من بابٍ اعتقد بعضهم أنه أوصده، حين خيّب النساء اللواتي منحن أصواتهن له، فلقد عبّر هؤلاء عن خيبتهن تجاه ما يعتقدن أنه تحالف مع مشروع حركة النهضة "الإخواني". وعلى الرغم من أن الحركة لم تتخذ أي إجراء ضد النساء، بل ذهبت أشواطاً أبعد حتى من مناصري النساء من الحداثيين، بما فيها مسألة التناصف والتصويت عبر كتلتها البرلمانية على مشروع القانون المتعلق بمناهضة كل أنواع العنف المسلط على النساء، فإن بعضهم يريد حشر
"النهضة" في الزاوية، والمزايدة عليها، لإحراجها أمام الرأي العام الوطني أو الدولي، حتى تبدو أمام خيارين لا ثالث لهما، الاصطفاف داخل "ملة الإسلام"، أو داخل "ملة الحداثة"، في إغفال أهمية الاجتهادات العميقة في مسائل شائكة، لا تحلّ بالتشريع وحده، بل بحوار مجتمعي يعوّل على تحولاتٍ ذهنيةٍ على المدى الطويل، تكون مصحوبةً بإصلاحاتٍ دينيةٍ عميقة، تستأنف اجتهاداً مقاصدياً.
لا يؤمن عديدون ممن يدفعون بالتسريع في هذه المبادرة التي لم تتضح تفاصيلها، ولم تتبلور في مشروع واضح، بهذا التمشي، فهم يفكرون من خارج هذه المرجعية أصلاً.
وسواء ترشح السبسي أم لم يترشح، فإن المقصود قد بلغ ذلك أنه أنعش رأسماله الرمزي، باعتباره الوصي الأوحد على الإرث البورقيبي الحداثي، بل يتجاوز الأمر ليشمل حزب نداء تونس برمته، إذ ستظل قيادات هذا الحزب التي قد تترشّح للانتخابات الدائمة، تنهل منه، مستثمرة اياه، دافعة عنها شبهة ارتماء حزبهم في أحضان "النهضة"، كما يروّج خصومهم ممن انشقوا عنهم. إذ يصر هؤلاء على أن تظل مسألة حرية المرأة وكل مكاسبها "سجلاً تجارياً" مسجلاً باسم "نداء تونس"، والمخيم الحداثي عامة، وذلك ما جعل عضو المكتب التنفيذي في حركة النهضة، محمد القوماني، يدعو الى رفع الوصاية واختطاف البلد باسم الحداثة ومصادرة حق الآخرين في التفكير في هذه القضايا الشائكة، فمن شأن القضية التي أثارها رئيس الجمهورية أنها أعادت الاستقطاب الحاد بين طرفين غير متكافئين،
ذلك أن أعضاء لجنة الحريات الفردية والمساواة التي عيّنها رئيس الجمهورية لا ينتمون للمرجعية الإسلامية (طبقة الفقهاء أو مفكرين إسلاميين مرموقين)، فبعضهم، كما نعتهم المرحوم محمد الطالبي، أقرب إلى الانسلاخيين، فضلاً عن أن مساهماتهم الفكرية في هذا المجال بشكل حصري تعد محدودة، بل مفقودة. لذلك لن يقدروا على إقناع المعترضين على هذا المشروع.
أما المطبة الثانية التي رافقت المبادرة، فهو موقف مؤسسة الإفتاء التي جاءت فاقدة للحجج والبراهين التي تشرّع لموقف الرئيس، باعتباره اجتهاداً مشروعاً يقبل به أعضاء الجماعة المؤمنة التي تعتقد أن للمواريث أحكاماً قطعية. للأسف، ومن دون تجنٍّ، يعد هذا الموقف ضعيفاً متهافتاً، وأقرب إلى البروباغندا الحزبية. كيف تفسر هذه المؤسسة الآيات الكريمة التي تبدو لبعضهم حاسمة في موقفها من توزيع الميراث؟ كيف ترد على المعترضين؟ كيف تنزل هذا الموقف ضمن منظومة حقوق الإنسان؟ كيف تنخرط بهذا المشروع ضمن ما يعتبره بعضهم مقاصد نبيلة للإسلام، وتوقاً إلى مساواة مطلقة بين البشر والجنسين تحديداً؟ أسئلة كان ممكناً لمؤسسة الإفتاء أن تتصدّى لها. لكن، للأسف، اختارت خطاب التمجيد التافه أصلاً، فأضرت بالمشروع ودفعت إلى استعدائه. أما ردود فعل الأزهر عليها فقد وردت محنطةً، لا تنبض مطلقاً بتحديات المعاصرة، ولا تلتقط حاجات الناس لإصلاح ديني عميق، يأخذ بالاعتبار تطلعات الجنسين إلى مزيد من الحقوق والمساوة.
قد تختلف مواقف النخب التونسية، وقد يشهد الرأي العام استقطاباً حاداً، وقد يمر التوافق السياسي بين حركة النهضة وحزب نداء تونس بأزمة حادة. ولكن ستتاح للتونسيين فرصة نادرة لإثراء النقاش العمومي وإنضاج الأطروحات، قبل أن تصبح هذه المبادرة مشروع قانون يُحال إلى مجلس النواب للنظر فيه.