جدل الديكتاتورية والديمقراطية في مصر

23 يونيو 2019
الصورة
عانى مصريون، عقوداً منذ قيام دولة الاستقلال، ويلات الحكم الفردي الذي جرى التسويق له عبر ترويج صورة زعيم قومي ملهم (جمال عبد الناصر)، ونموذج قائد توّاق إلى السلام والاستقرار (أنور السادات) وبروفايل رئيس براغماتي (حسني مبارك). واستأثر الرئيس في كلّ تلك المراحل بسلطة القرار، وامتاز بصلاحياتٍ دستورية واسعة، ووجد له سنداً من العسكر والأجهزة البوليسية والحاشية والحزب الحاكم. وتميّزت تلك الحقبة من تاريخ مصر بسطوة النظام السلطوي وهيمنته على المجال العام وتضييقه على الحرّيات العامّة والخاصّة، ومصادرته أصوات المعارضين بشكل أو بآخر. وأدّى ذلك النهج الأحادي، المغلق في سياسة الناس على امتداد عقود إلى اندلاع ثورة 25 يناير في 2011، التي رفعت شعار "الشعب يريد إسقاط النظام"، وقامت لأجل التنمية والحرّية والعدالة الاجتماعية، ولكنّها لم تبلغ مداها الإصلاحي المنشود، إذ سرعان ما استغلّ الجيش الفعل الاحتجاجي الشعبي، لينقلب على مخرجات الثورة، ويعيد إنتاج النظام السلطوي القديم. وأخبر ذلك بأنّ الدولة المصرية المعاصرة تعيش تدافعاً محتدماً بين مشروعي الدمقرطة وإعادة إنتاج العقل الدوغمائي/ الدكتاتوري. ولكلّ مشروع تجلّياته وتداعياته.
مثلت ثورة 25 يناير تحوّلاً نوعيّاً نحو الدمقرطة في تاريخ مصر السياسي، فانتقلت معها البلاد من حيّز الأحادية إلى رحاب التعدّدية، وانخرط المواطنون بقوّة وكثافة في إدارة الشأن العام، وكفّت العلاقة بين الحاكم والمحكوم عن كونها سلطويةً عموديةً فأصبحت علاقة أفقية تشاركية، قوامها تثمين ثقافة الاقتراح، والتحاور، والتفاوض. وشهدت البلاد وقتها (2012-2011) ازدهار حرّية التفكير والتعبير والاحتجاج بطريقة غير مسبوقة في تاريخ مصر. وأتاحت الثورة للناس حقّ النشاط ضمن هياكل حزبية ونقابية وجمعوية مختلفة، ومكّنتهم من اختيار ممثّليهم في البرلمان ومؤسسّة الرئاسة عبر الاحتكام إلى صندوق الاقتراع. وجرى تنظيم انتخابات تشريعية ورئاسية شهد العالم بنزاهتها. وأدّت إلى وصول الإسلاميين (الإخوان المسلمين) إلى سدّة
 الحكم. وعلى خلاف ما كان متوقّعاً، لم يبذل هؤلاء جهداً لافتاً لأسلمة الدولة، وأخونة المجتمع، ولم يوظّفوا الديمقراطية للانقلاب على الديمقراطية، ولم يفرضوا على النّاس نمطاً سلوكيّاً معيّناً، وقبلوا بمقتضيات التداول السلمي على السلطة ومشروع الانتماء إلى دولة تعدّديةٍ مدنيةٍ ديمقراطية. وللتاريخ، فإنّ محمد مرسي أوّل رئيس مصري منتخب، يُعدّ نموذجاً فارقاً لصورة الرئيس في مصر، فالرجل لم يصل إلى الحكم بقوّة العشيرة، ولا بنسب العائلة، ولا بسطوة العسكر، ولا عبر الاستقواء بالأجنبي. بل تولّى أمور الرئاسة بفضل أصوات مواطنين منحوه ثقتهم في عملية انتخابية ديمقراطية، شعبيّة، شفافة. وينحدر مرسي اجتماعيّاً من أسرة مثقفة، تنتمي إلى الطبقة الوسطى، وينتمي سياسيّاً إلى حزب عارض النظام الحاكم طويلاً، وينتمي علميّاً إلى فئة الأكاديميين الملتزمين الذين أدمن الحاكم المصري حصارهم واعتقالهم. ومن ثمّة، فنحن إزاء رجل ينتمي إلى العمق الشعبي المصري، ويُدرك هواجسه، وشواغله، وهمومه، وأحلامه.
ولم يغتنم مرسي ولايته الرئاسية ليحقّق مصالح شخصية أو حزبية ضيّقة، فلم يكدّس الأموال لحسابه أو لحساب أبنائه في بنوك مصريّة أو أجنبيّة، ولم يشيّد لنفسه قصوراً ولا فنادق، ولم يؤثر عنه حبّ السيارات الفارهة أو المطاعم الفاخرة أو العطور الباريسية الباهظة. بل إنّ مقربين منه يقولون إنه كان يعمل بلا مقابل مادّي، وكان يودع ما يتلقّاه من هباتٍ وهدايا خلال عام رئاسته في خزينة البنك المركزي المصري. واللافت أنّ الرجل تعامل مع خصومه بطريقة ديمقراطية، فلم يحجب مواقعهم الإلكترونية، ولم يُغلق صحفهم وأقنيتهم الإذاعية والتلفزية، ولم يأذن بتعقّبهم أو اعتقالهم، على الرغم من أنّهم مارسوا ضدّه وحزبه شتى أنواع التشويه والتخوين والهرسلة. وعلى خلاف رؤساء مصر سابقاً ولاحقاً، لم يوظّف محمد مرسي الجيش والأجهزة البوليسية لتوطيد حكمه وتصفية خصومه، بل بدا حريصاً على دعم التعدّدية وحماية الحالة الديمقراطية الوليدة في مصر. ولم يقبل المساومة على الخيار الديمقراطي، حتّى في آخر لحظات حكمه، وبنادق الجيش تتهدّده وأنصاره من كلّ جانب، بل تشبّث بالشرعية والتداول السلمي على السلطة، ولم يُغادر البلد هارباً، بل واجه مصيره بشجاعة نادرة. من هنا، كسر محمد مرسي الصورة النمطية التقليدية للرئيس المصري العسكري المتعالي، وظهر في صورة رئيسٍ مدني منتخب. كان مرشح الثورة، وأميناً على الديمقراطية، قريباً من الناس، يحكم بالناس ولأجلهم. لذلك لم تقبل به المنظومة القديمة رئيساً، وحرصت على تشويهه، وعرقلة جهوده في الإصلاح والتغيير. ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ، بل تحالف العسكر، وفلول النظام القديم، وقوى مدنية محكومة بمتلازمة الحنين إلى الدكتاتورية والخوف من الإسلاميين، فتمّت إطاحة أوّل رئيس مصري منتخب في عملية انقلابيّة دموية، انغلق معها قوس الثورة والديمقراطية، وامتدّت الدكتاتورية من جديد.
ويتبيّن المتابع للمشهد السياسي في مصر، بعد ستّ سنوات من الانقلاب العسكري الذي قاده 
عبد الفتّاح السيسي، بتأييد من الجيش، أنّ البلاد أصبحت تضيق بأهلها من الثوار والأحرار، وغدت نموذجاً للحكم الشمولي في المنطقة. بعد ربيع الحرّية الذي لم يُعمّر طويلاً، أصبح معظم النّاس يتكتّمون على أفكارهم، ويتهيّبون البوح بمعارضتهم النظام، ويؤثرون الصمت أو محاذاة الجدران القائمة ومجاملة السلطة السائدة، خشية الملاحقات الأمنية والمتابعات القضائية، فيما فرّ آخرون بأفكارهم إلى الخارج بحثاً عن منفذ للتعبير والتفكير الحرّ. وتوضح تقارير متواترة، صادرة عن منظمات حقوقية موثوقة، أنّ مصر تعيش تدهوراً غير مسبوق في مجال حقوق الإنسان، بسبب استيلاء النظام العسكري على المجال العام، وفرضه قيوداً على الحرّيات العامّة والخاصّة، حتى إنّ الاعتصام ممنوع، والتظاهر محظور، ونقد السلطة الحاكمة محرّم. كما أجهزت السلطات على كلّ صوت مخالف، وحجبت مئات المواقع الإلكترونية، وأغلقت وسائل إعلام عدّة على خلفية نقدها سياسات النظام. وفي السياق نفسه، يقبع آلاف من سجناء الرأي في أقبية المعتقلات المصرية، ويعانون ظروف اعتقال مزرية، ويواجهون يوميّاً القتل البطيء بسبب قلّة التهوئة وسوء التغذية، والعزل الانفرادي، والمعاملة السيّئة، والإهمال الطبّي. ومعاناة السجين السياسي محمد مرسي تختزل معاناة سجناء الرأي جميعاً، فالرجل لم يجد، مثل معارضين آخرين، حقّه في محاكمة عادلة، ولم تتوفّر له الرعاية الطبية اللازمة، على الرغم من تدهور حالته الصحّية. كما حيل بينه وبين أهله، وبينه وبين محاميه، ومنع من القراءة والتراسل، ومشاهدة التلفزيون. ولم يُحاكم محاكمة علنية وكثيراً ما منع من الدفاع عن نفسه، وتمّت فبركة تهم عدّة ضده. ونتج عن ذلك كلّه أن سقط مغشيّاً عليه أمام محكمة غير محايدة، مرتهنة للعسكر. وبدا واضحاً أنّ السلطات المصرية تكتّمت على تفصيل القول في ملابسات وفاته، وعجّلت بدفنه في الهزيع الأخير من الليل، ومنعته من مراسم دفن عادية لأنّها تخشى صيحات المحتجين وأصوات المتعاطفين معه. ولكن غاب عن النظام الحاكم أنّ تلك المعاملة السيّئة التي لقيها الرجل، حيّاً وميّتاً، حوّلته إلى واحدٍ من رموز الثورة المصريّة، وألّفت قلوب الأحرار في العالم من حوله.
يمكن القول، ختاماً، إنّ الكتلة الديكتاتورية في مصر تمتدّ وتستمرّ بقوّة العسكر، وبولاء فلول 
النظام القديم، وبدعم رجعيات عربيّة ومحلّية تكره مشروع الانتقال نحو الديمقراطية في المنطقة. كما تستثمر الدولة الشمولية في تشتّت المعارضة وانخراطها في صراعات أيديولوجية ومصالح حزبيّة ضيّقة. وأحرى بالقوى المدنية المصرية أن توحّد صفوفها، وتتجاوز خلافاتها، لتشكّل قوّة ضغط سلمية، تواجه سطوة السلطة، وتتبنّى مطلب الدفاع عن مساجين الرّأي، ومطلب الانتقال إلى إقامة دولة مدنية تعدّدية عادلة، وإلّا فإنّ استمرار الاستقطاب بين ديمقراطية مكتومة وديكتاتورية مفروضة سيزيد من تعميق الفجوة بين الحاكم والمحكوم، وسيزيد من حدّة الاحتقان في الداخل المصري، وقد يدفع كثيرين إلى ركوب موجة التطرّف العنيف، أو الهرب من البلد، وفي ذلك خسارة لعموم المصريين.