جدل التطبيع في المغرب

02 سبتمبر 2020
الصورة

مغاربة يتظاهرون في الرباط ضد التطبيع (23/6/2019/فرانس برس)

المغرب لم يطبّع علاقاته مع إسرائيل. الجميع يعرف أن هذا ليس خبرا حصريا، كما أن المغرب من بين أكثر الدول التي يرشحها الإعلام الغربي، والإسرائيلي خصوصا، لتدخل إلى نادي المطبعين العرب مع الكيان الإسرائيلي، وهذا أيضا، ليس جديدا، لأن هذا الكلام كان يقال منذ توقيع أول اتفاقية سلام بين دولة عربية، مصر، وإسرائيل، وقيل آنذاك إن المغرب لعب دور القناة السرّية للتمهيد لتلك الاتفاقية التي قسمت العرب دهرا وما زالت. وفي المغرب مطبعون كثر لا يخفون رغبتهم في إقامة علاقات سياسية واقتصادية وثقافية مع إسرائيل، بل ويجاهرون بتطبيعهم ويفتخرون به. وفي المقابل، لا يوجد سياسي واحد في المغرب يجرؤ على تطبيع العلاقات المغربية مع الكيان المغتصب لحق الشعب الفلسطيني، خوفا من رد فعل الشارع المغربي الذي يعتبر القضية الفلسطينية قضية وطنية لا تقل "قدسية"، بالنسبة للمغاربة، عن قضية الصحراء. وفي الوقت نفسه، يعتبر المغرب من بين الدول العربية التي تربطها علاقات سرّية مع إسرائيل منذ عهد الملك الراحل الحسن الثاني الذي كانت تستهويه دبلوماسية الكواليس في العلاقات الدولية. وبلاد المغرب من الدول التي سبق لها أن فتحت أبوابها علانية لزيارات وفود إسرائيلية رسمية سياسية ورياضية شاركت في لقاءات دولية في مدن مغربية في الرباط ومراكش وأكادير. 

أصوات نشاز في المغرب تغرّد خارج السرب التاريخي والوجداني، تعزل نفسها قبل أن تتيه كما تاه من سبقوها إلى الهرولة نحو تطبيعٍ تحوّل إلى سرابٍ

وعلى الرغم من أن المغرب يعتبر أبعد نقطة حدودية مع الكيان الإسرائيلي، في الخريطة العربية، فإن له حضورا قويا في فلسطين التاريخية، وخصوصا في مدينة القدس من خلال حارة وباب المغاربة التاريخيين. وما زال هذا الوجود مستمرا عبر مؤسسة "بيت مال القدس" التي ترعى مشاريع للحفاظ على الهوية العربية والمغربية داخل المدينة المقدسة. وفي إسرائيل، أكثر من مليون يهودي من أصول مغربية، يمثلون أكبر طائفة في إسرائيل بعد اليهود من أصول روسية، ما زال كثيرون منهم مرتبطين بجذورهم الثقافية في المغرب يزورون بلاد أجدادهم سنويا، لإحياء عدة مناسبات دينية مرتبطة بأماكن مقدّسة لهم ما زالت قائمة في عديد من مدن المغرب وقراه وجباله. وفي المقابل، تعيش في المغرب أكبر جالية يهودية في العالم العربي يتراوح عدد أفرادها ما بين ألفين وخمسة آلاف شخص، لأن أغلبهم غير مستقرّين بسبب أعمالهم، ومن بين هؤلاء برزت أسماء مناضلين، لا يمكن أن يزايد عليهم أيّ كان، حملوا لواء الدفاع عن القضية الفلسطينية، من بينهم من دفع الثمن غاليا من حريته، مثل المناضل الراحل أبرهام السرفاتي الذي ناهض الصهيونية، وثار من أجل مغرب ديمقراطي وحر ودفع مقابل نضاله 17 سنة من عمره قضاها وراء القضبان في سجون الملك الراحل في "سنوات الجمر والرصاص". وإلى جانب السرفاتي في السجن، وجد مناضل يساري مغربي أمازيغي يهودي صلب، هو سيون أسيدون، قضى 15 سنة من شبابه وراء القضبان دفاعا عن مغرب الكرامة والحرية، وما زال هذا المناضل الفذ، وهو في 72 من عمره، يرفع لواء محاربة كل أشكال التطبيع مع الكيان الصهوني، من خلال لعبه دور منسق الحملة الدولية للمقاطعة الاقتصادية لإسرائيل، في المغرب، وهو من القلائل الذين ما زالوا يصفون ما يقع في فلسطين التاريخية بأنه "استعمار وأبرتهايد" مصيره الزوال. وفي فرنسا يرتفع صوت مفكر يهودي كبير من أصول مغربية، هو جاكوب هوكين، لا يتردّد في التعبير، وبصوت عال، عن معاداته الصهيوينة وكشف اختراق أو محاولات اختراق أذرعها الأخطبوطية للإعلام والدبلوماسية والاقتصاد. 

لعبة التناقضات المغربية، في هذا الباب، مدهشة ومعقدة ولا تنتهي، وهي تختزل تاريخ علاقة لها كيمياء خاصة ظلت تربط المغاربة، وجدانيا وروحيا وسياسيا وعاطفيا، مع أرض فلسطين وشعبها وقضيتها. لذلك عندما تخرج أصوات نشاز في المغرب لتغرّد خارج هذا السرب التاريخي والوجداني، فهي إنما تعزل نفسها قبل أن تتيه كما تاه من سبقوها إلى الهرولة نحو تطبيعٍ تحوّل إلى سرابٍ، يبتلع كل من يجري وراءه. 

سيظل الوجدان المغربي هواه فلسطينياً، أبى من أبى وكره من كره

والجدل الذي يحاول، اليوم، مطبّعون مغاربة فرضه على الساحة، وحتى لو كان ذلك بإيعاز من جهاتٍ داخل الدولة العميقة، لا تجرؤ على التعبير عن رأيها بشجاعة، لكل الاعتبارات التي سبقت، سيبقى مجرّد زوبعة في فنجان، فالتطبيع لن تصنعه مقالة نشاز منشورة في صحيفة عبرية يتملق صاحبها للصهاينة، ولن تصنعه تصريحات أو تصرفات مطبّعين متنطعين لا عمق لهم داخل المجتمع، لأن التطبيع الشعبي الذي يحلم به الصهاينة لن يتحقق، ما لم يتم تصحيح الظلم التاريخي الذي ارتكبته الحركة الصهوينة ضد الشعب الفلسطيني. وحتى لو تقرّر غدا، على مستوى عال في المغرب، تطبيع العلاقات مع الكيان الإسرائيلي، وسبق أن وجد في المغرب مكتب للاتصال مع إسرائيل، بدرجة أقل من سفارة، فلن يغيّر ذلك أي شيء من الوجدان المغربي الذي سيظل هواه فلسطينيا، أبى من أبى وكره من كره، ولهم في موقف الشعبين، المصري والأردني، أُسْوَةٌ حسنة، لعلهم يتفكّرون. فعلى الرغم من وجود علاقات دبلوماسية معترف بها تؤطرها اتفاقات سلام موقعة بين مصر والأردن من جهة، وإسرائيل من جهة، فإن الشعبين المصري والأردني يرفضان كل أشكال العلاقة مع الدولة العبرية، ما دامت تغتصب أرض فلسطين، وتنتهك يوميا حرية شعبها وحياته وحقه في الوجود.