جدال حول الترحيل الطوعي في الدنمارك

14 يوليو 2019
الصورة
لاجئون في الدنمارك (العربي الجديد)

"فرصة" تقول الدنمارك إنها تعطيها للراغبين في العودة إلى البلدان الأصلية، بمجرد أن تعرض عليهم مساعدة مالية. لكن اللافت هذه المرة أن الفرصة تشمل الذين ولدوا وكبروا في البلاد، الأمر الذي أثار جدالاً.

أثارت رسالة رسميّة يفترض أن توجّه صيف العام الحالي لأكثر من 64 ألف شخص بعنوان "عرض الحصول على تعويض مالي للعودة إلى البلد الأصلي"، جدالاً واسعاً في البلاد وصل إلى حد امتعاض أحزاب سياسية ووزراء. والرسالة المشار إليها تأتي تطبيقاً لخطة سابقة اتفقت عليها حكومة يمين الوسط السابقة مع حزب الشعب الدنماركي اليميني المتشدد، الذي فقد في الانتخابات البرلمانية الأخيرة أكثر من 50 في المائة من نسبة المصوتين، خلال مفاوضات الخريف الماضي حول الموازنة العامة التي ربطها الحزب المتشدد بسياسة هجرة ولجوء متشددة. وتضمن الاتفاق بين الطرفين أن ترسل البلديات في البلاد رسالة أو استدعاء إلى جلسة استعلام، لإخبار مواطنين من أصول مهاجرة عن إمكانية المغادرة والحصول على مبلغ لبدء حياة جديدة "في وطن الآباء"، يصل إلى نحو 20 ألف يورو للبالغ.

المشكلة التي أثارها الكشف عن إلزام الاتفاق المشار إليه البلديات بالتواصل مع مواطنين لمنحهم فرصة الحصول على المبلغ المالي، هي أنه يشمل هذه المرة "الذين ولدوا وكبروا في البلاد". وأثارت تلك النقطة تحديداً حفيظة مقرر شؤون الهجرة في حزب "راديكال فينسترا" (يسار وسط)، أندرياس ستينبيرغ، الذي اعتبر الرسالة "تحرّشاً خالصاً بهؤلاء الذين عاشوا طيلة حياتهم في البلاد. نحن ليس لدينا معارضة لأن يمنح اللاجئون الذين لم يمض على إقامتهم وقت طويل فرصة الحصول على مبلغ العودة لتأسيس حياة جديدة في أوطانهم التي جاءوا منها، لكن ليس مواطنين مقيمين منذ عقود".




ليس ستينبيرغ وحده من يعتبر التوجه "جنونياً" في مخاطبة مواطنين شبان ولدوا وكبروا في الدنمارك بصيغة: "يمكنكم الحصول على المبلغ للعودة إلى وطن الآباء"، أو بحسب اتفاق حزب الشعب مع حكومة يمين الوسط "إن كان أحد الأبوين من أصول مهاجرة غير غربية". ويرى حزب "اللائحة الموحدة" اليساري على لسان مقررة الهجرة روزا لوند، أنه تصرف يحمل تحرشاً. "عندما تبعث رسالة مماثلة بهدف إرسال الناس إلى أوطانهم الأصلية أو بلاد الآباء، فإنك بذلك ترسل إشارة لهم بأنه غير مرغوب بهم في بلادهم". وترى أنه لا يجب النظر إلى المسألة باستخفاف، إذ إنها "تطاول أناساً كثيرون يرون أن الدنمارك وطنهم. وهذا توجه يؤدي في الواقع إلى تفرقة طبقية، ويجعل المواطنين درجتين، وبالتالي سيشعر البعض بأنهم مواطنون درجة ثانية".

وكانت حكومة يمين الوسط، التي فشلت في تحقيق الغالبية في انتخابات الشهر الماضي، قد انتهجت سياسة متشددة منذ عام 2015، بتأييد من حزب الشعب اليميني، وسط قبول من الاجتماعي الديمقراطي في ظل التنافس على جذب أصوات الناخبين. والأخير هو الحاكم اليوم بزعامة رئيسة الوزراء ميتا فريدركسن، ويشير إلى أنه "لا مشكلة في القانون الذي يمنح الناس فرصة العودة الطوعية". بيد أن مقرر الهجرة فيه راسموس ستوكلوند، يرى أن "المشكلة تكمن في أن قلة هم الناس الذين كانوا يعرفون بوجود هذا العرض (عن العودة الطوعية)، ولدى كثيرين مخاوف من العودة إلى بلادهم، خصوصاً لناحية الأوضاع الاقتصادية. وهؤلاء الذين يجدون أنفسهم غير مندمجين في حياة الدنمارك ولا رغبة لديهم للاستمرار في العيش هنا، يمكنهم الاستفادة من البرنامج".

ثمّة "فرصة" للمهاجرين (العربي الجديد) 

من جهته، يفيد حزب الشعب الاشتراكي بأن القصة بسيطة، وهي "عرض ليس أكثر. فإذا وصلت الرسالة ولم يرغب بها الشخص يمكنه رميها في سلة المهملات". ولا ترى مقررة سياسات الحزب كيرستن نورمان، فيها استهدافاً لفئة دون غيرها. "علينا أن نتذكر أن البعض لا يرى في الدنمارك الوجهة الفضلى له. بالتالي، العرض بالعودة الطوعية أمر جيد".

في تقرير صادر في ديسمبر/ كانون الأول في عام 2018، عن مجلس اللاجئين الدنماركي المعني بشؤون اللاجئين في البلاد، فإن "عدداً من السوريين بدأ يسأل عن العودة الطوعية". وكانت مديرة اللجوء في المجلس إيفا سينغر، قد ذكرت أنه "أسبوعياً، كان هناك ما بين 20 و30 اتصالا للسؤال عن الخيارات الموجودة". وكان اتفاق الموازنة السابق قد أدخل السوريين ضمن مشروع العودة الطوعية الذي لم يكن يسري عليهم سابقاً، إضافة إلى الحصول على مبالغ للبدء بحياة جديدة في البلد الأصلي". وقانون العودة الطوعية هو القانون المعمول به في الدنمارك منذ سنوات ويشمل اللاجئين والمقيمين بصفة لم شمل وأسر اللاجئين ممن أقاموا في البلد لخمسة أعوام، وهو ما جرى الاتفاق على تعديله ليشمل حتى من أقام أقل من تلك السنوات، بمن فيهم اللاجئون الجدد الحاصلون على إقامة شرعية في البلاد. وزاد مبلغ التأسيس لكلّ شخص بالغ من نحو 133 ألف كرونة (نحو 14 ألف دولار) إلى 140 ألفاً، (نحو 14 ألفا و750 دولاراً) إضافة إلى تكاليف بطاقات السفر، بحسب التعديل الأخير الذي نشرته وزارة الهجرة والدمج.



مديرة اللجوء في مجلس اللاجئين إيفا سينغر، تتحدث عن أوضاع اللاجئين السوريين والعودة الطوعية. وتقول إن البعض يريد العودة إلى تركيا أو سورية حيث يقيم أفراد أسرهم. وتكمن دوافع أسئلة بعضهم عن فرصة العودة الطوعية في صعوبة لم الشمل أو قدوم الأزواج والأطفال أو أفراد الأسرة إلى الدنمارك. والعديد من السائلين عن العودة الطوعية بين السوريين هم الذين وجدوا صعوبة في التأقلم مع الحياة في البلاد، لناحية دخول سوق العمل بما يتناسب ومؤهلاتهم. وعلى الرغم من ذلك، "لا أظن أن فكرة العودة إلى سورية يمكن أن يطلبها اللاجئون. هؤلاء يواجهون وضعاً صعباً في ذلك البلد". تجدر الإشارة إلى أنّه وفقاً لأرقام الدنمارك الرسمية، فإنه ومنذ عام 2011، لم يستفد من مشروع العودة الطوعية أو يحصل على مبلغ التأسيس في الوطن الأم سوى 600 شخص. ومنذ عام 2016، تراجع عدد من يطلب العودة طوعياً.​