جثث في مكبات ليبيا

24 نوفمبر 2018
الصورة
هل يخفي المكب جريمة؟ (فريد دوفور/ فرانس برس)

لم يقتصر رمي جثث القتلى في مكبات القمامة على مدينة بنغازي الواقعة شرقيّ ليبيا والتي اشتهرت عالمياً بهذه الممارسة في ظل سيطرة قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر عليها، بل امتد ذلك إلى مدن ليبية أخرى، من بينها العاصمة طرابلس التي تحرسها مئات المليشيات المتصارعة. وعلى الرغم من نجاح حكومة الوفاق في فرض ترتيبات أمنية برعاية أممية منذ نحو شهرين، فإنّها تحظى بميزة عجيبة عن بقية المدن، وهي حراسة مكبات القمامة.

من أشهر تلك المكبات مكب منطقة أبو سليم المحظور على المواطنين الاقتراب منه من قبل مليشيا كلفت بحراسته، فعلى المواطن إلقاء قمامة بيته في مناطق تجميع، ولا يمكن لسيارات شركة الخدمات العامة الوصول إلى المكب إلّا رفقة ورقة رسمية من الشركة لتوافق المليشيا على اجتياز السيارة حاجزها والوصول إلى المكب الرئيسي. وفي قصر بن غشير، عادت مليشيا تابعة لكتيبة ثوار طرابلس لحراسة مكب رئيسي هناك بعدما غابت عنه، إثر أعمال العنف والقتال خلال شهر أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، بالإضافة إلى مكب عين زارة، بالرغم من أنّه مهجور ومتوقف عن العمل.

أكدت شركة الخدمات العامة، في إعلانات سابقة، أنّها طلبت من مديرية أمن العاصمة فرض الحراسة على مكبات القمامة التابعة للشركة بعد تكرر العثور على جثث خلال الأعوام الماضية، وكانت سبباً في تناحر مسلح بين عدد من المليشيات، إذ يتهم كلّ منها الآخر بقتل مسلح منها وإلقاء جثته في مكب قمامة بمنطقتها. طالبت المديرية المليشيات بتخصيص حراسة منها للمكبات الواقعة في مناطق سيطرتها.




على الرغم من الحراسة، لم يتوقف رمي الجثث، فهناك مكبات فرعية لا حراسة عليها، وقد عثر في أكثر من مناسبة على جثث فيها، وجرى إبلاغ الجهات الأمنية التي سحبت الجثث. يلفت النقيب جمال عويدان، المسؤول في جهاز البحث الجنائي، إلى أنّ جثث المكبات تؤشر إلى مستوى من مستويات الجريمة: "بغض النظر عن دوافع الإهانة التي يعمد إليها القاتل من خلال رمي جثة قتيله في القمامة، فذلك يشير أيضاً إلى طريقة من طرق التهرب من العقاب، فالمكبات أماكن عامة ولا يمكن من خلالها التوصل إلى أدلة جنائية، وهو ما يؤكد وجود عارفين بالقوانين وراء مرتكبي هذه الجرائم"، مشيراً إلى أنّ استمرار ذلك قد يصنف الجريمة في بند الجريمة المنظمة.

يقول عويدان لـ"العربي الجديد" إنّ هناك "بلاغات عن 364 قتيلاً في مكبات القمامة، وعلى الطرقات البعيدة بعضها نقل وجرى التعرف إلى هويته وإبلاغ ذويه، وبعضها، وهم 18 قتيلاً تحديداً، اختفت جثثهم بعد الإبلاغ عنهم"، مشيراً إلى أنّ أعمال تصفية وقتل تجرى خارج القانون بسبب عداوات شخصية أو تكون وراءها مليشيات تتولى تصفية مطلوبين أو سجناء لديها، وترمي جثثهم لإبعاد الشبهات. يؤكد أنّ كلّ الحالات موثقة "كما أنّ بعض تلك الجرائم معروف من يقف وراءه من أمراء الحرب، فأهل قتيل عثروا على جثته مرمية في أحد المكبات، وأبلغوا القوى الأمنية، أكدوا أنّ إحدى المليشيات المعروفة هي من قبضت عليه في ظروف غامضة قبل أن تقتله وتبعد شبهة تصفيته عنها".

يتابع أنّ أشهر تلك القضايا العثور على جثث 12 شخصاً في مكبات قمامة بمنطقة عين زارة، خلال عام 2016، بعد ساعات من الإعلان عن إطلاق سراحهم من سجن الرويمي بطرابلس، وهي قضية ما زالت محفوظة حتى الآن ولم يبت فيها بسبب استمرار نفوذ المليشيا التي تحكم السجن، ومشاركتها حالياً في برنامج الترتيبات الأمنية في العاصمة. يؤكد أنّه خلال الأشهر الأخيرة من العام الماضي استقبلت ثلاجة الموتى بمستشفى طرابلس المركزي 34 جثة لم تنتهِ التحقيقات فيها حتى الآن، معيداً أسباب عدم وصول التحقيق إلى نتيجة نهائية إلى تعدد ساحات الجريمة، فالقتل يقع في مكان والجثة ترمى في مكان بعيد عن مسرح الجريمة، كما أنّ التحقيقات تتوقف إذا ارتبطت خيوط القضية بإحدى المليشيات القوية المتنفذة.

ويكشف عويدان عن تورّط بعض الجهات الطبية في أعمال قذرة مثل المساعدة في إخفاء الجرائم، قائلاً "وثّقنا تورط مصحة خاصة في طرابلس في إخفاء أدلة جريمة، فبعدما وصلها سجين جرى تعذيبه بدرجة كبيرة وتوفي أثناء محاولات إسعافه، تسلمته المليشيا ورمته في مكب قمامة، لتنفي المصحّة أمام أهله علمها به".




في المقابل، يؤكد عويدان أنّ جثث المكبات تراجعت بشكل كبير خلال العام الجاري، لكنّ ما بقي منها تعقد أكثر، إذ بات يُعثر على جثث متحللة. يتساءل: "إذا كانت المليشيات هي الأكثر تورطاً في هذه الأعمال كيف توكل إليها حماية المكبات وحراستها؟ لا شك ستخفي معالم جرائمها، لا سيما أنّ فصائل تلك المليشيات تتغير في كلّ وقت وتستبدل بأخرى، ما يصعب ملاحقتها وإثبات الجرم عليها".